الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

حليف الشيطان : الصفقات الشيطانية اللعينة -2-

بقلم : منال عبد الحميد

ساحرات سالم : عندما يعني هذيان الفتيات الموت !

( لقد عدت لأقوم بما  كان يقوم به هنا الشيطان ، عدت لكي أعظ المسيحيين أن يكذبوا وينافقوا أنفسهم .. هناك دم فوق رأسي .. ألا تري الدم المسفوح على رأسي ؟! )
مسرحية البوتقة / آرثر ميلر

في الفترة بين شهر فبراير من عام 1692 ومايو من العام الذي يليه ، شهدت مدينة صغيرة كانت تسمي ( سالم ) Salem بمستعمرة ( ماساتشوستس ) الأمريكية ، محاكمات فريدة من نوعها ، وإن لم تكن غريبة أو شاذة عن طابع العصر ، وقد انتهت تلك السلسلة من المحاكمات ، التي قلما شهد التاريخ مهزلة مشابهة لها ، بتعليق عشرين شخصا على المشنقة ، من بينهم أربعة عشر امرأة ، عدا عن وفاة خمسة متهمين آخرين في قعر السجن ، من بينهم طفلان في سن الرضاع .. وقد كانت التهمة التي أدين وأعدم بسببها كل هؤلاء الأشخاص هي ممارسة السحر وتسليط قوي شر شيطانية على مجموعة من الفتيات البريئات !

الصخرة التي تحطمت عليها الثيوقراطية !

النصب التذكاري لساحرات سالم في دانفرس

توجد الآن مدينة صغيرة تسمي " دانفرس " في ماساتشوستس ، ويوجد بها نصب تذكاري لضحايا المشنقة الذي راحوا ضحية هذيان فتيات خبيثات منذ نحو ثلاثمائة عام .. ودانفرس تحيي ذكري هؤلاء الضحايا لأنه على أرضها جرت تلك الوقائع الشنيعة ، وذلك حينما كانت لا تزال تحمل هذا الاسم البغيض .. سالم !

والقصة تتلخص في فتاتين صغيرتين ، 9 و 11 عاما ، قلبتا حياة القرية رأسا على عقب لزمن ليس بالقصير، ثم تابعتهما أخريات .. سكان المستعمرة ، التي كانت لا تزال في طور النمو والتمدد ، كانوا من المتطهرين ( البيورتان ) المغالين في تدينهم ،  وكمثل كل متعصب كان الشيطان يمثل لهم خطرا كامنا ، كما يمثل تحديا عظيما ، لذلك كان رد فعل هؤلاء المستوطنون على رواية مقطوعة الدليل غير مؤكدة لبنتين لاهيتين في سن الطفولة مبالغا فيه ، وجنونيا إلى حد أنه أصبح عبرة ومضربا للأمثال ..

ففي نهار غير طيب أقدمت فتاتان من بيت محافظ ، هما " بيتي باريس " ، ذات التسعة أعوام ، وابنة عمها ( قريبتها ) " أبيجيل ويليامز " 11 سنة ، على القيام بحركات عصبية ، والهذيان والتشنج ، ونوبات غضب مفاجئة تدفعهن لتطويح الأشياء في كل مكان ، والتلوي وإطلاق صرخات بأصوات غريبة  ، والإتيان بتصرفات غريبة على فتاتين عاقلتين تعيشان في كنف قس محترم ، متمسك بتعاليم دينه هو الموقر " صامويل باريس " .. لم يكن من الممكن أن تمر تلك التصرفات مر الكرام ، ولا أن تُناقش بعقلانية وتفهم في بيئة تنضح جهلا وتعصبا ، ولسوء الحظ لم يربط القس المسكين بين أفعال فتاتيه الصغيرتين وبين مفاجأته لهن ، وهن يرقصن في الغابة ، قبل بضع أيام ، على وقع غناء الخادمة الزنجية ، التي تعود أصولها إلى جزر باربادوس بالبحر الكاريبي ، ويستمعن إلى حكاياتها الخرافية المحملة ببخور الفودو وسحر الموتى الأحياء !

تيتوبا .. كما تخيلها جون أنينا

كانت تصرفات البنتين ، فيما يبدو ، محاولة للإفلات من العقوبة التي يمكن أن يصبها عليهما الراعي الصارم ، لكن الأمر أُعزي ، بشكل مباشر ، إلى قوي خارقة غير طبيعية .. قوى شيطانية !

وهكذا فُسرت تصرفات " بيتي " ، اسمها الأصلي " إليزابيث " ، و" أبيجيل " على أنها ناجمة عن تلبس شيطاني ، ولكن لابد لكل متلبس أن يكون هناك من تسبب في تلبسه .. بمعنى أنه إن كانت البنتان تعانيان من مس شيطاني فلابد من أن هناك في ( سالم ) من يسلط قوى الشر عليهما ، وهكذا بدأت واحدة من أكبر مهازل القرون التي سبقت الحضارة الحديثة .. تم استدعاء طبيب هو " وليم غريغز " لفحص الفتاتين ، ولم يجد الطبيب ، بحسب تقريره ، أية أعراض مرضية لديهن ، برغم أنهن كن يشكون من الإحساس بوخز بالإبر في أجسادهن ، لكن الطبيب ، المنغمس بدوره في جهالة قرنه المظلم ، أقترح أن يكون الأمر فوق طبيعي .. ثم ، ولسوء الحظ ، أخذت فتيات أخريات في البلدة من المعاناة من نفس الأعراض الهستيرية الصاخبة !

وبدأت المطاردة للساحرات المسئولات عن الأعراض الشيطانية التي لحقت بفتاتي بيت " باريس " ، بالإضافة إلى " آن بوتنام " 12 عاما و" إليزابيث هوبارد "

، وأول من جرى الإيقاع بهن هن " سارة جود " ، متسولة تعيش على الصدقات ، وسيئة السمعة فيما يخص التزامها الديني ، و" سارة أوزبورن " التي أودى بها أمور شخصية وندرة ظهورها في الكنيسة ، و" تيتوبا " ، التي كان لانتمائها العرقي والشائعات التي ألصقتها بها الفتاتان " باريس " و" يليامز " دورا أساسيا في الزج باسمها في تلك المحاكمات !

لم يتوقف الأمر عند هؤلاء الثلاثة ، ففي الأول من مارس من عام 1692 بدأ استجواب الثلاث نسوة ، ثم وضعن قيد الحبس ، بينما أخذت قائمة المتهمين تتمدد بشكل مثير للدهشة .. وفي نفس الشهر زُج بأسماء : " مارثا كوري " ، و" دوروثي جود " ، ابنة المتهمة " سارة جود " من زوجها " ويليام جود " ، والتي كانت بعمر أربع سنوات حين أتهمت بممارسة السحر ! ، ثم اتهمت أيضا " ريبيكا نيرس " ، وامرأة أخرى تدعي " راشيل كلينتون " ، تقيم في بلدة ( إيبسوتش ) القريبة من ( سالم ) !

ومع تضخم قائمة المتهمين على مدى الأشهر التالية أتضح أن الأمر أكبر من مجرد بضع نسوة متهمات بالسحر ، وبأنهن يطرن على عصي المكانس ليلا ليتلقين بالشيطان في الغابة ، كان هذا الاتهام من نصيب " تيتوبا " سيئة الحظ ، ولذلك استلزمت قضية الساحرات في سالم محاكمة من نوع خاص لا تقدر عليها إلا محكمة ، أيضا ، من نوع خاص جدا !

مهزلة القرن : محكمة سالم التي لم  يسلم منها أحد !

محكمة الساحرات في سالم .. الطيران على المقشة سيد الأدلة !

بعد اتساع نطاق الاتهامات ، وتضخم قائمة المتهمين ، التي ضمت نحو مائة وخمسين (150) متهما ، أغلبيتهم العظمي من النساء ، صدرت أوامر حاكم مستعمرة ( ماساتشوستس ) " ويليام فيبس " بإنشاء محكمة جنائية ( كانت تسمي حينها Oyer and Terminer ) لمحاكمة المتهمين بالسحر في مدينة ( سالم ) وكانت هيئة المحكمة تتكون من : السيد " ستوتون " ، الميجور " ريتشاردز " ، الميجور " غيدني " ، السيد " وايت وينثروب " ، الكابتن " سام سيوال " ، سيرجنت " ناثانيل سالتونستل " ، وقد أنسحب الأخير معلنا عدم رضاه عن إجراءات المحاكمة وحل محله " جون هاثرون " .

ويليم فيبس حاكم ماساتشوستس .. والمذنب الرئيسي في مهزلة محكمة سالم !

ولم تمر هذه المحاكمة المسرحية على خير بل حدثت مقاومة ، وأنسحب بعض القضاة ، أو أبدوا اعتراضهم ، خصوصا عندما بدأت مرحلة محاولة إرغام المتهمين على التوقيع كتابيا على اعترافات تدينهم بممارسة السحر ، وبرأ قضاة ( إيبسوتش ) جميع المتهمين الخمسة لديهم دفعة واحدة ، ولكن محكمة ( سالم ) كان لديها رأي آخر ، فبرغم انعدام الدلائل المخزي وعدم توافر أي ملابسات أو أدلة قوية تدين المشتبه بهم ، ما عدا الظن والتخمين وهذيان فتيات منحرفات ، والشبهات البلهاء ( أدينت متهمة لأنها تزوجت خادمها وأخرى لأن معطفها غريب الشكل وقد تمزق في يد المحققين إلى نصفين بشكل اعتبروه شيطاني ) ، واصل قضاتها عملهم ، وانتهوا إلى إدانة وإعدام عدد ممن قدموا للمحاكمة ، كان أولهم " بريدجيت بيشوب " التي أعدمت شنقا يوم 10 يونيو 1692 ، ولحقت بها " ريبيكا نيرس " بعد حوالي شهر ، أما " آن فورستر " فقد ماتت في السجن بعد ثلاث أشهر ، ونجت " ماري برادبوري " عن طريق الهرب ، بينما تم العفو عن ثلاث أخريات ، ومن الطريف أن يشمل العفو متهمة معترفة بالذنب وهي " سارة وارديل " !

ثم تتابعت الإدانات وعمليات الإعدام ، التي صاحبها تذمر شعبي وغضب لدى معظم سكان ( سالم ) ، الذين كان معظمهم متيقن من براءة هؤلاء المتهمين ومدرك لكون القضايا ضدهم بلا دليل أو شهود أو جدية في الاتهامات ..

وكان يوم 22 من سبتمبر يوما مشهودا ، إذ تم فيه إعدام ثماني متهمين دفعة واحدة !

نهاية المهزلة لا تكون إلا بمهزلة أكبر !

ومع تصاعد النضال ضد محكمة ( سالم ) وانتشار الغضب ، تسبب التذمر الشعبي في إحجام المحكمة عن تنفيذ المزيد من أحكام الإعدام بعد اليوم الدامي ( 22 سبتمبر ) ، ثم بدأت المحاولات لإسقاط المحكمة نفسها !

بلغت الأمور أوجها بعد أن أرغمت المحكمة على التوقف عن الأخذ بظهور الأطياف كدليل إدانة ضد المتهمين ، ثم ظهور اقتراحات غريبة لكشف الساحرات اللائي لا يوجد عليهن أي دليل ( مثل كعكة الساحرات المصنوعة من الشعير وبول الفتيات المصابات بالسحر ! ) ، ثم بدأت الأمور في التداعي تباعا :

بريدجيت بيشوب .. أول من راحت ضحية لجنون سالم

فأرغمت المحكمة على إيقاف أحكام الإعدام جملة ، ومنع تنفيذ ما صدر منها سابقا ، بخلاف من تم إعدامهم فعلا بطبيعة الحال

ثم تداعت المحكمة وتم حلها ، وكان للقس " جون هيل " من أندوفر فضل كبير في إنهاء هذه المهزلة بما كتبه ضدها من شهادات .

وكانت الضربة القاصمة هو ظهور كذب الفتيات وتلفيقهن القصة من أساسها ، بعد أن أقدمت المصروعة الرئيسة " أبيجيل ويليامز " ، قريبة القس " باريس " ، على سرقة عمها ثم الهروب والاختفاء من المدينة كلها ، مما يقطع بكونها غير طاهرة أو تقية ، ولا تعتبر شهادتها إلا لغوا ، راح ضحيته نحو عشرين شخصا ظلما وعدوانا ( توفيت أبيجيل بعمر السابعة عشر في عام 1697)

وكان هذا الحدث هو رصاصة الرحمة لتلك المحاكمة العجيبة الغشومة التي قل نظيرها في التاريخ كله !

لاحقا تم إعلان براءة جميع من اتهموا في محاكمة الساحرات ، وتم رد الاعتبار لأسمائهم وتكريمها ،وبدأت عادة الاحتفال السنوي في مدينة سالم ( التي تحولت إلى دانفرس ) بذكرى ضحايا محكمة الساحرات ، وقد حضر بعضها الكاتب الأمريكي الشهير " آرثر ميلر " صاحب رائعة ( البوتقة ) التي جسدت جو المحاكمة الظالمة المخرفة بشكل لا مزيد عليه .

أخيرا تمت التبرئة الشعبية والرسمية لضحايا ( محاكمة سالم ) بقرار جماعي من نواب ولاية ( ماساتشوستس ) عام 1992 ، تلاها تبرئة كاملة لجميع من تم إدراج أسمائهم في القرارات السابقة ( ومنهم ريبيكا نيرس التي قاتل أحفادها بشراسة لتبرئة اسمها ) ومن لم يتم إدراجهم أيضا ..

وشاهد قبر الضحية " سارة ويلدز "

كما تبنت جامعة ( فيرجينيا ) مشروعا للكشف عن المكان الأصلي الذي كانت تقوم فيه مشنقة ضحايا المحاكمة في دانفرس ( سالم سابقا ) ، وباستخدام خرائط ووثائق قديمة ، إضافة إلى نظم تتبع ورصد حديثة تخترق طبقات الأرض ، تم تحديد المكان على نحو دقيق ، كان يعرف بتلة جالوز في تلك الأيام ، ليتم إنشاء نصب تذكاري يحمل اسم الضحايا ، ويكرم حياتهم التي راحت ضحية هبة رعب بشرية ساذجة بلهاء من مخلوق وصموه بالشر .. وهم أكثر منه شرا وفسقا وعدوانا !

الجدير بالذكر والتأمل هو أن ضحايا محاكمات ( سالم ) من الرجال هو شخص اسمه " جايلز كوري " زوج الضحية " مارثا " ، والذي صرخ منددا بالمحكمة وشكك في أدلتها لإدانة كل هؤلاء المتهمين ، بما فيهم زوجته التي اشتهرت بشدة الورع والتقوى ، فأتهم بدوره بالشعوذة ، عوقب بالقتل سحقا بالحجارة .. إلى هذا وصل انعدام الشفقة والتجرد من العقل والرحمة معا !

النساء شكلن السواد الاعظم من ضحايا محاكمات الساحرات

ومن الثابت أن محاكمات سالم لم تكن هي المرة الوحيدة التي أخذت فيها جماعات من البشر ، خاصة النساء ، بتهمة ممارسة السحر ، وخضعوا للتحقيق بطرق مهينة ، وأعدموا بدون دليل حقيقي واحد على إدانتهم ، بل تعددت تلك النوعية من المحاكمات وطالت معظم أرجاء أوربا المظلمة حينها ، ثم تمدد وباء الساحرات ومطاردتهن إلي أمريكا الشمالية ، خاصة المستعمرات التي صارت تُعرف فيما بعد باسم الولايات المتحدة الأمريكية !

إذن فالشيطان سيبقي هنا مهما تقدمت الحضارة وتطور الإنسان ، فالشيطان ضروري للإنسان لأن الشيطان عدو عظيم لبعض الناس .. ومصدر أعظم  للدخل لبعضهم الآخر !

جراندييه قسيس لودون .. متعاقد مع الشيطان أم ضحية للسياسة ؟!

أوربان جراندييه .. وجد لديه عقد تحالف موقع مع الشيطان !

في الثامن عشر من أغسطس من عام 1634 ، وفي مدينة ( لودون ) بفرنسا ، تم إعدام رجل في الرابعة والأربعين من عمره ، وقد نُفذ  الحكم حرقا على السارية في الرجل ، بعد إدانته من قبيل مجمع القساوسة ، والمفارقة أن المدان لم يكن إلا قسا كاثوليكيا بدوره !

لكن ما الذي حدث ليتم اقتياد قس كاثوليكي إلى المحرقة .. العلة في تلك الأحداث الغامضة التي عُرفت بتلبس لودون !

ففي العام الذي أحترق فيه القس المدان حدث في أديرة هذه البلدة عدة أحداث غامضة ، حيث أصيب عدد من الراهبات اللائي يعشن في الأديرة ( الأرسولية ) بحالات تشنج وهذيان وصراخ غير مبرره ، وعند فحصهن من قبل المعنيين بالطقوس الدينية أخذن يصرخن ويهذين بأنهن تعرضن لحضور واستلاب من قبل الشيطان !

وبدأت الكنيسة الكاثوليكية التحقيق في الأمر ، ولاحقت الشبهات كاهنا محليا يدعي " أوربان جراندييه " ، وجري استجوابه وإخضاعه لتحقيق مرهق ، كانت الشبهات حوله قوية تدعمها شهادات وإدعاءات الراهبات ،

الراهبات أخذن يتشنجن ويدعين أنهن تعرضن للتلبس ويتلفظن بالفحش ويهذين .. فهل كان " جراندييه " مسئولا فعلا عن تلك الأحداث الغريبة ؟!

الراهبات أخذن يتشنجن ويدعين أنهن تعرضن للتلبس ويتلفظن بالفحش ويهذين .. فهل كان " جراندييه " مسئولا فعلا عن تلك الأحداث الغريبة ؟!
وطبقا لما رُوي عن قصة حياة الكاهن ، قبل إدانته ، فقد كان رجلا جذابا مرغوبا ، وكان محط أنظار بعض السيدات من ذوات الأصول النبيلة والثرية من رعيته في ( سانت بيير دو مارشيه ) ، وكان أيضا يتمتع بصلات سياسية ونفوذ قوي ، ويبدو أنه كان معشوقا من قبل كثير من النساء ، حتى أن بعض القصص تشير إلى أن " جين رئيسة الراهبات " نفسها كانت تحلم بالقس أحلاما مخلة ، وفي كل الحالات فيبدو أن " جراندييه " لم يقصر في علاقاته الغرامية ، على الأقل كما أتهمته الشائعات ، حتى أدين بتهمة الفجور في الثاني من يونيو ( 2/6) من عام 1630 !

وكيفما كان الحال فقد كان القس الغافل وسط النساء المتصارعات عليه مكروها من " دي لاروش " أسقف بواتييه Poitiers ، الذي عبر دون مواربة عن رغبته في أن يرى " جراندييه " مطرودا وبعيدا عن الأبرشية .

ويبدو أن كانت هناك مؤامرة حيكت ضد القس ، فظهرت حالات تشنج أصابت على الأقل اثنتين من راهبات الدير ، حيث أخذن يدعين بحضور واستلاب الشيطان لهن ، وفي نوبات الهذيان تلفظن باسم " جراندييه " كمسلط للقوي الشيطانية عليهن ..

دليل يرجع إلي أواخر القرن ال19 وأوائل القرن ال20 يثبت تعرض قسيس لودون للتعذيب !

في المرحلة الأولي من القضية كان القس لا زال في موقف قوي ،  يستطيع من خلاله التقليل من الشكوك المثارة حوله ، واقتصرت محاولات العلاج حينئذ على القيام بطقوس لطرد الأرواح الشريرة من الراهبات ، اللائي بقين حبيسات صوامعهن ، ولكن تطور لاحق حدث مع تدخل شخصيات ، مقربة من الرجل الخطير كاردينال " ريشيليو " ، ثم تعقدت الأحداث بالكشف عن قصيدة هجائية كتبها الراهب المشتبه به ضد الأخير ، ومن محاسن الصدف أن تكون احدي الراهبات في الدير من أقرباء الوزير المهيمن ، وهكذا جرى تنظيم محاكمة للقس ، ووضع أحد أعدائه على رأس الهيئة المكلفة بمقاضاته !

ثم حُسم الأمر بظهور دليل الإدانة الأكبر : إنه نسخة العقد الموقعة بين إبليس ومجموعة من السادة الأفاضل أتباعه من ناحية ، وبين القس المشتبه به من ناحية أخرى .. وهذا هو النص المحفوظ لصيغة العقد

دليل يرجع إلي أواخر القرن ال19 وأوائل القرن ال20 يثبت تعرض قسيس لودون للتعذيب !

وإليكم ترجمة النص :

نحن ، صاحب السلطان لوسيفر ، الشيطان الصغير ، بعل زبول ، ليفاثان ( أو ليوثان ) ، إليمي ، وعشتروت ، بالاشتراك مع آخرين ، قبلنا اليوم بالاتفاق والعهد الذي يخص " أوربان جراندييه " ، والذي هو لنا ، وعليه القيام بما قد تعاهدنا عليه : حب النساء ، زهرة العذارى ، تقديم الاحترام للملوك ، أصحاب الشرف ، الشهوات والقوى ، وتبعا لوعده  فسوف يباشر الزنا طوال ثلاثة أيام ، وسوف يداوم باعتزاز على الصخب والمجون ، ومرة في العام سوف يقدم لنا ختم الدم ، وتحت قدميه سوف يدوس مقدسات الكنيسة ، وسوف يسألنا الكثير من الأسئلة ( لعلها يطلب الكثير من المطالب والأمنيات ) ، وبهذا التعهد سوف يحيا سعيدا لمدة عشرين عاما على أرض الإنسان ، وتاليا سوف ينضم إلينا في خطيئة الحرب ضد إرادة الرب ..
حُفظ في الجحيم ، في مجلس الشياطين .
لوسيفر ، بعل زبول ، الشيطان
عشتروت ، ليفاثان ، إليمي
تم ختمه بواسطة الشيطان ، السيد ، والشياطين ، أمير هذا العالم .
كتبه بالبيريث !

واعتمادا على تلك الأدلة : التي شملت شهادات الراهبات وذلك العقد المضحك ، الذي صيغ بطريقة صبيانية تقطع بأن كاتبه لم يغادر أرض بلدته طوال عمره ، ويعتقد أن الشياطين لديها مجلس للحل والعقد يجتمع في حمام البخار في الجحيم ، وأن الشيطان بحاجة إلي كتابة عقود وإمساك دفاتر كأنه قصاب ، تمت إدانة القس ، وحكم عليه بالموت حرقا !

دُرست قضية " قس لودون " من قبل عدة مؤرخين كان أولهم هو " نيكولاس أوبين " ، الذي وضع مؤلفا حول الموضوع ، عام 1700م ، يعد الآن أهم وأقدم مرجع يؤرخ قصة ( التلبس الشيطاني في لودون ) ، كما نالت القصة الغريبة اهتمام " إلكسندر دوما " ، والمؤرخ " جول ميشيليه " ، وأخيرا " إلدوس هيكسلي " .. كما تم تناولها في عديد من القصص الروائية ، وحتى الأعمال السينمائية التي من أشهرها فيلم " جوان أم الملائكة ( المقصود الراهبات ) " ، والذي أنتج عام 1961م ، والذي يتمحور حول معالجة لقصة شياطين أو تلبس لودون !

متلبسات أم مصابات بالهذيان ؟!

الحالات التي سجلت للراهبات اللائي أتهمن القس " جراندييه " بتسليط قوي شيطانية عليهن ، إن خلت من شبهة التمثيل والخداع رغبة في الإيقاع بالقس لأهداف سياسية ، ووفقا لبعض الدراسات النفسية ، وما تلفظن به من خيالات وأحلام ذات طبيعة جنسية قد تشير إلي أنهن كن في قبضة حالة من حالات التنفيس عن مكنونات أنفسهن .. إذ سبق وأن أشرنا إلي كون القس جذابا ومحبوبا من النساء ، ويبدو أن بعض أولئك الراهبات كن يشتهين " جراندييه " سيء الحظ ، ولو بطريقة غير شعورية ، وهذا الكبت لأحلام ورغبات لا يجرأن ولا يمكنهن الإفصاح عنها ، قد تجلى فيما هذين به ، وما ادعينه عليه من تسليط أحلام ورؤى غير مقدسة عليهن .. أغلب الظن أن القس ذهب ضحية لنوع من تصفية الحسابات السياسية ، ترافقت معها رغبة انتقام خفية من نساء يرغبنه ولا يستطعن الإعلان عن رغبتهن تلك .. أو تحقيقها بأي شكل من الأشكال !

الهولندي الطائر .. القبطان الذي أشتري اللعنة الأبدية !

السفينة التي قادت صاحبها إلي اللعنة

إذا كنت تقود سفينتك في أعالي البحار ووجدت بالقرب منك ظلا شاحبا لشيء يتحرك ، ثم أقترب منك جسم لسفينة كبيرة ذات أشرعة ، وتقطع البحر بشكل مترنح حثيث مُصر ، فأهرب بجلدك وأنفذ بروحك ، فأنت في خطر داهم .. فربما تكون من سيئي الحظ الذي كُتب عليهم أن يواجهوا الهولندي الطائر الملعونة !

في القرن السابع عشر كان بحار هولندي تعيس يحاول أن يعبر منطقة رأس الرجاء الصالح ، لكن داهمته عاصفة وتقلبت الأمواج ، ووجد نفسه وسط بحر يمور وتيقن بالهلاك .. لا سبيل إلى الأرض ويستحيل عليه العودة ، إنه هالك لا محالة .. لكن أمل صغير يظهر .. أمل خطير !

ففي عز نكبته وحيرته يظهر له من بين الضباب مخلوق غير عادي ، مخلوق يتكسب من إغواء بقية المخلوقات ، ويتربح من إفسادها ، ليكسب رهانا قديما ، عمره من عمر جنس البشر ، بينه وبين الرب .. جاءه الشيطان يسعى مقدما عرضه الذي يصعب رده ، ستعبر يا " هندريك " وستعود إلي بيتك ، فقط إذا قبلت أن تتحدي النهاية التي أختارها الله لك ، وأن تتحدى إرادته ، لم يفكر القبطان الشقي مرتين ، وقبل الصفقة .. ولكنه لم ينجو أو يعود إلى بيته .. بل تحمل باللعنة وعوقب بأن يبقي حيا إلى الأبد ، يهيم بسفينته الملعونة ، مثله ، من ميناء إلى ميناء ، ومن بحر إلى محيط ، حيا ، ملعونا بخلود آثم كريه .. حتى نهاية الزمان !

إنها القصة الحزينة لقبطان الهولندي الطائر " هندريك فاندر ديكن " ، الرجل الذي أختار اللعنة .. في نسخة أخري من القصة ، التي تعود على أغلب الآراء ، إلي القرن السابع عشر لم يكلف الشيطان نفسه مئونة الظهور وإغواء القبطان الغضوب ، الذي وبمجرد أن وجد نفسه في أتون العاصفة حتى أخذ يسب ويلعن مقسما أنه سوف يعبر الماء ولو كان كذلك ضد إرادة الله .. فتلقي اللعنة حضورا ، وحُكم عليه بأن يبقي تائها في بحار العالم حتى يوم يبعثون !

وعلى العكس من الحالات السابقة لم يوقع " فاندر ديكن "عقدا مع الشيطان ، لكنه وبسبب تحديه لإرادة الله ، قد تساوي بالآخرين وأصبح بدوره رمزا لهؤلاء الذي راحوا في صفوف الشيطان ، بدلا من أن يتجندوا في الصفوف التي تقاتل ضده ، وفي جانب الإله .. في كل الحالات فقد كان ظهور ( الهولندي الطائر ) يعني نذير شؤم وخراب !

الهولندي الطائر في التراث المكتوب .. شهادات الشعراء لا تكفي !

السفينة الشبح ظلت تداعب خيال البحارة وتزرع الرعب في نفوسهم لعشرات السنين

انبثقت الأسطورة وشاعت زمنا لكن بتفاصيل مختلفة وصيغ متباينة ، حتى اسم قبطان السفينة الملعونة لم يظهر إرهاص له إلا في النسخة التي نشرتها مجلة ( بلاكوود ) Blackwood's Magazine ، التي أسسها الناشر " ويليم بلاكوود " ، والتي ظهرت أول نسخة مكتوبة من القصة تسجل اسم الربان على صفحاتها في مايو من عام 1821 ، وكانت بعنوان ( رسالة فاندر ديكن الرئيسة )
Vanderdecken's Message Home
لكن برغم الخلاف حول زمن أو تفاصيل القصة ، لكن كل الروايات اتفقت على مبدأ واحد : هو أن مشاهدة ( الهولندي الطائر ) كانت تعني شرا مستطيرا ينتظر الشخص ، أو السفينة ، الذي شاهدها !

ذكرت قصة سفينة " فاندر ديكن " الملعونة في عدة مدونات وأعمال مكتوبة نذكر منها :

( سلسلة ثلاثين عاما وما فوق ) بقلم " جون ماكدونالد " عام 1790 والتي تعد أقدم إشارة مدونة لقصة الهولندي الطائر ، دون ذكر لاسم قبطانها الذي ظهر في مرحلة لاحقة كما أسلفنا ، وقد شرح الكاتب رأيه الشخصي في مسألة ( الهولندي الطائر ) مفسرا أن السفينة الشبحية فيما يبدو ضاعت أثناء عاصفة داخل الميناء ، ويبدو أنها غرقت ، لكن طيفها يظهر في الليالي التي يكون فيها الطقس سيئا .

إشارة أخري إلي السفينة الملعونة في ( رحلة إلي خليج بوتاني ) لجورج بارينغتون 1795م ، كما أشار إلي القصة " جون ليدن " 1803م ، و" توماس مور " 1804م ، والشهير " سير والتر سكوت " 1812م .

إذن فالإجماع على الكلام بشأن القصة ، وليس تأكيدها ، كان كبيرا ..

ومن التفسيرات لقصة ( الهولندي الطائر ) أنها تسجل ، بشكل قصصي رمزي ، قصة لبحار هولندي جشع وسيء الطباع ، يدعى " بيرنارد فوك " ، وهو رجل عصبي المزاج ، كان يقود سفينة يستخدمها لأعمال غير مشروعة ، تهريب البضائع أو القرصنة ، ما بين هولندا وجزيرة جاوة التي تقع في جزر الشرقية الهولندية .

وبغض النظر عن التفسير العلمي لظاهرة رؤية السفينة الشبحية ، التي تختصر الأمر في نوع من الخداع البصري ، سراب بحري ، يحدث في أثناء تقلب وعنف الأمواج ، فإن فكرة تسجيل قصة قبطان سيء بشكل رمزي غامض ، أو أدبي مبالغ فيه أمر وارد ، ولنا  مثال واضح في رواية ( روبنسون كروزو ) التي كتبها " دانييل ديفو " ونشرت في عام 1719 ، والتي لم تكن إلا تسجيلا روائيا مبدعا لقصة حياة البحار الاسكتلندي " ألكسندر سيلكيرك " Alexander Selkirk
، والذي عاش وحيدا معزولا لمدة أربع سنوات فوق جزيرة صغيرة تحمل اسم ( ماس دي تييرا ) ، وتقع ضمن أرخبيل ( خوان فرنانديز ) بالمحيط الهادي !

إذن وجود أصل تاريخي حقيقي لقصة ( الهولندي الطائر ) وارد جدا .. لكن خيال القرون المولعة بالشيطان وبقصصه المخيفة هي التي أضفت على قصة سفينة غرقت ، أو اختفت ، هذا البعد الأسطوري المرعب !

لم يكن الشيطان يعشش في العقود الموقعة بالدم في تلك العصور .. بل كانت رؤوس الناس وأخيلتهم الجنونية هي موطنه المفضل !

ملاحظات :

1- هناك المزيد والمزيد من الجنون في محاكمات سالم ، والمحاكمات الأخرى التي عاصرتها ، يمكن الاستزادة منها من المصادر المرفقة.

2- أخطأ بعض الكتاب بالإشارة إلي كون اتهام العبدة " تيتوبا " بالسحر في سالم سببه كونها هندية حمراء ، كنوع من الانتقام من الهنود الحمر الذين كانوا في صراع ساخن مع سكان مستعمرة ( ماساتشوستس ) في القرن الـ 17 ، لكن المصادر كلها تؤكد كون المرأة من جزر باربادوس ولا تنتمي للهنود الحمر بأي شكل، لكن قد يكون للونها وخلفيتها الإثنية دور في الزج بها في تلك المحاكمة.

3- هناك صيغة للعقد الشيطاني الخاص بقسيس لودون منتشرة على المحتوي العربي للإنترنت هذا نصها :

( سيدي وإلهي . أنا أعترف بك كإله لي .. وأتعهد بأن أخدمك ما دمت حيا .. ومن تاريخ هذه اللحظة ..أنا لا أعتــــرف بأي إله أخر ، ولا بيسوع  المسيح ولا أمه ، ولا بقديسي السماء ولا الكاثوليكية ولا بالكنيسة الرومانية .. كما أنني أندم على صلوات صليتها في الماضي لغيرك وأتبرأ منها.. وأتعهد بان أصلي لك وحدك على الأقل ثلاث مرات في اليوم ، وأن أقوم بفعل الشر الذي أقدر عليه ، وأن أضم إلي كل من أستطيع إقناعه .. وأكرر إنني لا أعترف بالمسيحية ولا البابوية ، ولا يسوع المسيح ولا بتلاميذه .. وإذا حاولت الرجوع عن حفظ العهد فإنني أضع تحت تصرفك جسمي وروحي وحياتي الــــــــتي وهبتهم لك إلى الأبــــــــد)

هذه الصيغة لا صحة لها ، وغالبا هي مختلقة ، لكون المعلومات التي تترافق معها خاطئة في الأصل بما فيها الاسم الصحيح لقسيس لودون وظروف محاكمته وتاريخ إعدامه .

المصادر :

- الموسوعة البريطانية ( مادة : Devil )
- موسوعة ويكيبديا ( مادة : الشيطان ، ست )
- ويكيبديا الإنجليزية ( مادة devil، Faust ، urbain grandier ، Flying Dutchman ،Salem witch trials )
- رابط مباشر لقصة Vanderdecken's Message Home
- أرشيف مجلة بلاكوود
- قائمة ضحايا محاكمات سالم
- مقال ( أشباح بلا أرواح ) إياد العطار
- 8- كتاب (أقنعة الرعب عجائب المعتقدات في سينما القرن العشرين ) د/ جمال عبد الناصر
-( موسوعة الألف عام -شخصيات صنعت التاريخ ) أسيمة جانو

صدر للكاتبة مؤخرا في المكتبات :

هل كتب عقدا مع الشيطان ام كان مريضا نفسيا؟

تاريخ النشر 03 / 03 /2017

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر