الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

عملاق القلعة : قصة من كوريا

بقلم : قصي النعيمي - سلطنة عُمان

أنا يا بني امرؤ فقير، و شيخ كسير

سيري يا أمواج الفضول بي إلى أقصى العالم، و استبيحي بسهام الشغف أعتاب المجهول البعيد. ذلك المجهول الذي يقبع خلف أستار المعقول، و يناغي في كل ساعة مهد الخيال السعيد. سيري يا أمواج و لا تتوقفي. سيري بنا إلى أرض العجائب المنسية، و اخترقي سحب الضباب إلى أعماق الشرق و أحنائه البهية. ها إن هاهنا مقصدي فتوقفي، و اهبطي بسلام في جزيرة كويلبارت الكورية.

هنا في جزيرة كويلبارت ستكون بداية قصتي، من حيث اعتادت مئات السفن القادمة من كل صوب أن تحط في مرساها لتحكي ألف قصة و قصة عن عوالم البحار المظلمة، تلك البحار التي لم تخل يوما من أساطير القراصنة و الكنوز و قصص الوحوش.

1 -  ثورة البحر

و هناك في المرسى وقفت بين التجار و المترقبين، لا لشيء إلا طلبا لبعضٍ من قصص المغامرين. و لم يطل المقام بي حتى لمحت بأنظاري رجلا ذا طِمرين، مبتور القدمين، و هو يزحف بمشقة نحو إحدى السفن الراسية. و هي منه بعيدة قاصية. فقلت في نفسي: ها هو ذا ما أريد، و لديه حتما من الخبر الجديد. فتوجهت لاهثا نحوه و كلي فرح بالغنيمة، فما أن وقفت عليه حتى أراق عبراتي بقسمات وجهه الأليمة. سبقني لساني إليه قائلا: ماذا حدث لك؟، كيف ذهبت رجلاك ؟. فأجابني بلكنة المرهق من أغلال الشباك المثقلة بالأسماك، و راح يحكي لي قصته و كأنما يتجرع في جوفه العلقم و الأشواك : أنا يا بني امرؤ فقير، و شيخ كسير. ليس لي إلى الرزق من أسباب، إلا ما أركب له السفن في الحِباب، مستعينا بزمرة من الرفقة و الأحباب.

و في إحدى تلك الرحلات البحرية، تجرأنا على الابتعاد إلى أبعد مما نعلم، و أحرى بنا أن نتركه لنسلم. و لكنها الحاجة و قلة ما بأيدينا، و كثرة ما يزدهي به البحر و ما به يغرينا. فكان أن تلبد الأفق بغيوم حالكة كليالي الشتاء، و انقلب البحر من حال الوداعة إلى الثورة الهوجاء. لم ندر أين المحيص و المفر، و كيف لا؟، و قد حاصرتنا عنيفات الأمواج و شواهقها، و اضطربت بالسفينة بين قممها و قيعانها.

و لما رأينا أننا أشرفنا على الهلاك و التلف ، بدأت حناجرنا تصدح بالدعوات المخضبة بالدموع و الرجاء ، و يبدوا أنها وجدت مجيبا، و ألفت سميعا قريبا. فما أسرع ما وجدنا السفينة و قد قذفها الموج أخيرا على شواطئ جزيرة ما رأيتها قبلُ و لا بعد. و مع شعورنا بالإرهاق و الجوع، آثرنا النزول من على متن السفينة و البحث في الجزيرة على من يرشدنا إلى سبيل العودة، أو يحسن إلينا بشيء من الطعام أو الشراب.

2 -  و خرج العملاق

و انطلقنا نحو دواخل تلك الجزيرة بين أشجارها الغريبة، و أحراشها الكثيفة، و كنا كلما اجتزنا مسافة انتابنا شيء من اليأس و الرغبة في الرجوع، و لكننا فجأة و جدنا أنفسنا أمام قلعة تحيط بها الغابة من كل اتجاه. كانت قلعة تباهي السماء في علوها، و تنازع الجبال في متانتها و إحكامها. فقلت لبعضنا: هذا مرادكم، و لابد من سؤال أهل هذه القلعة لعل في ذلك منفعة و نجاة.

و تقدمنا نحو باب القلعة فنادينا بأعلى أصواتنا، فخرج لنا عملاق فارعٌ واسع العينين، شديد السواد عريض المنكبين. و الحقيقة انه لم يكن يشبه الآدميين مطلقا مع فرط ضخامته ذاك و طوله. فرابنا أمره و هممنا بالذهاب، و رضينا من السلامة بالإياب. و لكنه أشار إلينا بالدخول على عجل، فظننا أنه فهمنا و استرحنا بعد خوف و وَجَل.

3 -  و أشعل النار

و ما أن دخلنا حتى عرضنا عليه مصابنا، و قلنا لعل عنده حل لنا. فأجابنا بلغة تشبه النهيق، و بدا لنا كما يبدوا الفتى الصفيق. و جهدنا أن نعلمه بمطلوبنا فلم يفهم من لَدُنّا حرفا واحدا.

و لما يأس كلُّ من صاحبه، انطلق العملاق فأغلق الباب ثم سار إلى سرداب في القلعة فأخرج منه حطبا كثيرا، و ما لبث أن أشعل به نارا عظيمة في الفناء. فظننا حينها أنه ينوي أن يطبخ لنا العشاء فإذا نحن العشاء. فقد بادر غلاما كان في زمرتنا فألقاه في تلك النار، و وقفنا نحن هناك كالمدهوش، بل كنا كالمشلول الذي لا يقدر على تحريك أيّ من جوارحه فضلا عن تغيير ما حوله.

و ما أن انتهى العملاق من أكل ذاك الغلام المسكين، حتى انقلب إلى جرة شراب كانت عنده فتجرع كل ما فيها ليستغرق بعدها في سبات عميق. و لكنا في الواقع كنا لا نزال وسط أغمار الدهشة و الذهول مما شهدته أعيننا، و استيقنته قلوبنا. و لكننا آثرنا الحزم و التفكير في فرجة من هذا المأزق الذي وقعنا في متاهته، فأسرعنا إلى البوابة التي أغلقها العملاق، فوجدناه قد أغلقها بإحكام شديد، عجزت معه أذرعنا النحيلة عمل أي شيء.

4 -  الحيلة الأخيرة

كان علينا النظر في حيلة أخرى لنتخلص من مأزقنا. فأشار أحدنا إلى خطة تتلخص في استعمال سكينه لطعن عينا ذاك العملاق النائم، فإننا إن فعلنا ذلك لم نعجز عن قتله. و قبلنا خطة صاحبنا و سلمنا بها.

و سرنا نتقدم خطوة و نتأخر خطوتين، و نبش مع أملنا بالانتهاء من هذا الكابوس، و نجفل مع كل نفس يخرج من فم العملاق الغافل. و كان أن وسعتنا الحيلة، فطعنا كلتا عينيه، ليقوم العملاق كالموج الهادر، يزمجر و يصرخ بأعلى صوته.

كان العملاق يركض و يبحث بيديه في الأنحاء لعله يمسك بأحد منا. و لكن هيهات فقد كنا أسرع منه، فركضنا حتى بلغنا حظيرة في آخر القلعة، فيها من الخرفان ما يقارب الستين، فقررنا أن نندس بينها حتى ييأس العملاق من إيجادنا فيتركنا لحال سبيلنا. ولكن العملاق كان أذكى مما تصورنا، فقد فتح باب الحظيرة حتى يخرج كل ما فيه من الخرفان، و لنبقى نحن في متناول يديه. و لما أراد التأكد من عدم هروبنا بين الخرفان، فقد راح يتلمس كل ما يخرج بيديه.

أما أنا، فحين رأيت ما يفعله العملاق، لم أكثر من التفكر و الإطراق. بل اغتنمت فقدانه البصر و حيلته القاصرة، فحملت خروفا فوق ظهري، و مررت من البوابة فلم يشعر العملاق إلا بالخروف و لم يدرك من كان تحته. و هكذا انسل كل رفقتي محتذين بحذوي.

5 - الهروب

و بعد أن خرجت كل الخرفان، عاد العملاق ليبحث عنا في الحظيرة، فما وجد فردا منا. و وقف العملاق كالمحتار الشارد هناك لا يلوي على شيء. أما نحن فما أبصرنا فضاء الحرية، حتى أسرعنا الخطى نحو سفينتنا الراسية على الشاطئ.

و عندما اعتلينا ظهر السفينة، أبصرنا من بعيد مجموعة كبيرة من العمالقة تتجه نحونا، و لولا لطف الأقدار التي احتملت بالرياح السفينة إلى عرض البحر سريعا، لقتلنا العمالقة على ذاك الشاطئ.

و عدنا إلى البحر، و لم يكن استقباله بأفضل من استقبال العملاق، فها هي عواصفه تعود بغضبها لتحل علينا. أما هذه المرة، فلم تبق الأمواج الهائجة من سفينتنا عودا على عود، و لم تترك سارية سليمة و لا عمود. و هكذا غرق كل من كان معي، إلا أنني نجوت إذ تشبثت بأحد ألواح السفينة المحطمة، و هناك بادرتني أسماك القرش الجائعة بكل وحشية فنهشت ساقاي، و هذا يا بني حال كل غريب لا قوة له أو حول، فلا رأي يسمع له أو قول، أكان في بلد القروش، أو أصحاب القروش. أما بقية جسدي المنهك، فقد حمله الماء إلى الوطن بأعجوبة بالغة، أو ربما أقول برحمة سابغة.

6 -  النهاية

و لما انتهى هذا المسكين من سرد خبره، و قص خلاصة عبره. أخرجت صرة من النقود، و أعطيته بقدر ما وسع الكرم و الجود. و لكنه رد الهدية، و طلب مني تلبية أمنية. فأجبته بالقبول دون مِطال، فقال : أذع حكايتي على أسماع الرجال، و لا تحرمها الصبية أو النساء، و لا الأقرباء و لا البعداء. و هذه خاتمة قصته، و قضاء العهد بتلبية أمنيته.

***

ملاحظة : روى هذه القصة كما ورد في المصادر القديمة، أحد تجار الطحالب البحرية من مدينة تشونغ جو الكورية، و الذي اعتاد المرور على جزيرة كويلبارت بحكم مهنته.

تاريخ النشر : 2017-03-09

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر