الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الكتاب الملعون الحلقة 13 الخطوات الأخيرة

بقلم : بائع النرجس - جمهورية مصر العربية

لعنات أبدية !

الكتب كانت ومازالت تحمل بين طياتها السحر .. نعم سحر من نوع خاص .. سحر لا حدود له ، نسافر ونرحل ونبتعد حتى أعماق الفضاء وأغوار المحيطات ، نزور كل هذه الأماكن من خلال صفحات الكتب ، نسافر من خلالها إلى أزمنة سحيقة أى إلى المستقبل ، ونسافر إلى عوالم آخرى مجهوله مع الكتاب ، هناك دائماً خاصية غريبة تكون بين القارىء والكاتب ، ميثاق خفى ودنيا خيالية يصنعها الاثنان فى مهارة وحب ، وكتابنا كتاب ملعون فيه أسرار لم تكشف بعد ، والانسان عدو المجهول ، وخلف هذا الكتاب تسعى ملكة الظلام بكل قوتها لتحصل عليه .. فتقبض على خمري ليهرب ويموت عمه ويقع في قبضة مملكة الطيور ، في حين ملك مملكة النور يصل لطريق الموت وطريق الأشجار القاتلة ليساعد مخلوقة للحصول على طائرها المفقود ، الأحداث كثيرة ومتشعبة ، لمزيد من المتابعة راجع الحلقات السابقة ..

ربما هذه الرواية حدثت منذ قديم الزمان أو لم تحدث على الإطلاق .. ليس هذا المهم .. لكن المهم هنا أن نهفوا بك إلى سماء الخيال والعوالم الخفية والمجهولة والمعاني الصادقة ،
دعونا نودع هذه الحياة الروتينية بكل ما فيها من أشياء مملة ومزعجة ، هيا نربط الأحزمة ونحلق جميعا في سماء الكتاب ...
"" الكتاب الملعون ""


* * *

تفتت هذه الصخرة عندما وضع (جعفر) قدمه ليستند عليها وهو يتسلق سطح الجبل ، وأخذت تتهاوى من ارتفاع كبير ساقطة بسرعة رهيبة إلى أسفل ، نظر إليها وأخذ يتابعها ببصره حتى اختفت عن نظره وقال بسخرية :

-" لو سقطت سيكون سقوطاً رهيباً ! "

ثم ابتلع ريقه وأخذ يواصل تسلقه إلى أعلى وتابع وهو يهز رأسه :

- " ياله من سقوط ! "

وفي الافق كادت الشمس أن تغيب ، ورأى منظر الأشجار من أعلى والسفوح البعيدة ، فقال فى نفسه :

- " يَبْدُو يا (جعفر) أنك ستبيت هنا الليلة وتواصل غداً "

وفى داخل أحد التجاويف دخل صاحبنا واستكان ليبيت ليلته ثم يتابع في الصباح ،
نعم سيتابع رحلته للوصول إلى الكتاب الملعون .

* *
صرخت الملكة فى جنودها وهى تستشيط غضباً :

- " هرب !!! "

ثم تابعت بقوة وهى تصرخ فيهم بجنون واضح :

- " كيف فلت منكم ؟! "

قال أحد الجنود وهو يتعلثم وقد ارتعد في خوف منها :

- " لقد حل الليل علينا وهو ستار يا سيدتي "

هتفت :

- " لا .. يَبْدُو أن هذا تقاعص منكم "
غضبت ملكة الظلام وعاقبت جنودها بسبب تكاسلهم


ارتجف الجنود في خوف شديد وقال أحدهم :

- " ولكن يا سيدتى ... "

لم يكمل حديثه لأنها قاطعته قائلة :

- " ستدفعون ثمن هذا الإهمال الجثيم الآن ! "

ثم رفعت صولاجانها إلى السماء التى رعدت بقوة ، وأنارت الذنبقة التي في رأس الصولاجان بنور شديد وهاج حتى غشى الضوء الأبصار ، وسمع الجميع صوت صرخات معذبة وكأنها قادمة من الجحيم ! ولم يستمر الأمر طويلاً ثم توقف كل شيء دفعة واحدة وتلاشى الضوء ، وكان الجنود ملقون على الأرض ووجوههم إلى الأسفل ، وأخذ الجميع ينظرون إليهم وظنوا أنهم جثث هامدة ، إلاّ أن هناك حركة ضعيفة صدرت من أحدهم ! ثم ثالثهم ورابعهم حتى تحرك الباقيين كلهم وقام واحد تلو الآخر ، وأخذوا ينظرون إلى أنفسهم غير مصدقين أنهم ما زالوا أحياء ، ونظر أحدهم إلى الآخر في فزع شديد ! وبعد أن نظروا إلى بعضهم حتى أخذوا يتحسسون وجوههم على الفور ، ونظروا إلى أيديهم .. أقصد إلى ..
مخالبهم !!  حتى صرخوا بعدها في فزع أكثر من المرة الأولى ، فقد تحولوا جميعاً إلى مسوخ رهيبة الشكل ! وهنا أخذت الملكة تقول :

- " هذا جزاء من يتقاعص عن تنفيذ أمر لي "

ثم تابعت :

- " دعونا نكمل رحلتنا فقد اقتربنا كثيراً من مرادنا ، ولم يحدث شيئاً نكترث من أجله "

ثم سارت فى مقدمة جيشها وأخذت تضحك وكأنها شيطان قادم من قرار الجحيم .

* * *

نعق هذا الطائر وحلق بعيداً عن هذا الصمت الذي خيم على الملك (حكيم ) ومن معه ، وفجأة قطع هو هذا الصمت قائلاً :

- " أنا سأذهب معك ، ولكن أرجو التوضيح "

قالت (هرنوتي) :

- " سأقص كل شيء "

هتفت (ليلى) ساخرة :

- " وكلنا آذان صاغية لكِ يا سيدة القطط "

نظرت إليها (هرنوتي) وتمنت لو تغرز فيها أنيابها ومخالبها لتتخلص منها ؛ ولكنها تراجعت عن موقفها هذا وقالت :

- " لقد ذهبت أنا وناس غيركم قبل ذلك لمحاولة استعادة الطائر ، كانوا يمرون من غابتي تلك ، ولكننا لم نستطيع استعادة الطائر ولم يستطيعوا هم العودة "

قالت (ليلى) في تهكم واضح :

- " والسبب ؟! "

أجابت (هرنوتي) :

- " السبب ربما في جبن هؤلاء الناس أو خطأ منهم في تنفيذ الخطة المتفق عليها فوقعوا في المحظور ، فكان الثمن حياتهم خصوصاً وأن الطريق محفوف بالمخاطر "

هتف (حكيم) :

- مثل ؟

- " الطريق إلى هناك ليس سهلاً .. فهناك طريق الأشجار القاتلة "

هتف (سوماز) في دهشة :

- " أشجار قاتلة ؟!! "

- نعم أشجار تتحرك وتقتل كل من يمر بجوارها ! وهناك أسطورة تقول أنه في قديم الزمان كانت هناك بلدة يعمل أهلها في الزراعة ولديهم أبقار يرعونها ، وفي يوم استيقظوا ولم يجدوا أبقارهم ، إلا أسرة واحدة فقط بقيت أبقارها كما هي .. فظنوا أنهم هم السارقون أو لهم يد في اختفاء الأبقار ، فاجتمع أهل القرية وحكموا على هذه الأسرة بالموت ، فربطوهم في هذه الأشجار وتركوهم حتى الموت ، وتقول الأسطورة أنه بعد موتهم سكنت أرواحهم هذه الأشجار وعادوا لينتقموا من أهل هذه القرية  وقتلوا كل من يمر أمامهم ، فخاف الجميع أو من تبقى منهم  وقرروا قطع هذه الأشجار ولكنهم لم يفلحوا أبداً ، وهنا غادروا المكان وأصبح الطريق مهجوراً لا يمر فيه أحد وعاد بعدها أبداً .

قال (ظفير) :

- " ياله من شيء عجيب ! "

وهنا نطقت (ليلى) :

- " وماذا هناك أيضاً ؟ "
تلبست أرواحهم في الأشجار وعادوا لينتقموا


- " ليس هناك أي شيء آخر لكي أخفيه غير القلعة المحصة لهذا الجنس الكلابى ثم الحصول على الطائر"

ثم تدخل الأمير (رمال) قائلاً :

- " وماذا سيحدث بعد ذلك ؟ "

نظرت إليه وقالت :

- " سأساعدكم كما وعدتكم على الخروج من هنا "

هتفت صاحبتنا

- " ولو لم نساعدك ماذا سيحدث ؟ "

أجابت (هرنوتى) في تحدي سافر :

- " سأدعكم تتيهون في الغابة إلى الأبد .. فلم يخرج منها أحداً حياً أبداً ! "

وبعد أن قالت هذا الحديث حتى أخذ الجميع ينظرون إلى بعضهم فى صمت ، وكأنهم يتشاورون أثناء صمتهم ، وهنا قال الملك (حكيم) :

- " سأساعدكِ مهما كلفني الأمر "

لاحت شبه ابتسامه على شفاه (هرنوتي) ، في حين اغتاظت (ليلى) وقالت :

- " (حكيم) .. إنك بهذا تودي بنا إلى التهلكة "

- " بل أحملكم إلى بر الأمان "

- " فكر في الأمر جيداً يا (حكيم ) .. فلم ينجوا أحداً منها أبداً ، ولم يستعيدوا الطائر المزعوم أبداً "

- " ولكننا سنعود إنشاء الله ومعنا طيرها ، وليكن عون الله معنا "

وهنا نظر الى (هرنوتي ) وقال لها :

- " هيا أرينا الطريق الآن .. ودعينا لا نضيع وقت "

صمتت (ليلى) صمت على غير رضا وتركت بطلنا وهي تتابعه بنظرها ، وهم الجميع بعدها ليركبوا جيادهم ذات القرون التي تزيين جباهها ، وأخذت (هرنوتي) تقفز من غصن إلى غصن ومن شجرة إلى آخرى والكل يسير خلفها في صمت داخل الغابة ...
الغابة المظلمة .

* * *

خيم الظلام على هذه الغابة عالية الأشجار التي قبع على أغصانها بيوت وقصر منيف ، وعندما نقترب قليلاً من القصر سنرى (خمري) قد انتهى من سرد قصته ، وهنا قال ملك الطيور :

- " يالها من قصة عجيبة ومع ذلك لم تنتهي بعد "

صمت الملك قليلاً وهو يحك ذقنه :

- " أسمع يا بني .. كنت أود بأن أقوم بأي مساعدة لك حتى تستطيع أن تحصل على الكتاب ولكن ما باليد حيلة ؛ فليس لدي ما أستطيع القيام به غير أن أدعك تستريح لدينا الفترة التي تريدها .. فستجد هنا كل ما تتمنى ، ولو أعجبك الحال وأردت أن تعيش معنا كفلنا لك ذلك ، ولو أردت في يوماً ما الرحيل .. فسنساعدك ونحملك بالزاد والزواد وسيحملك أحد حراسنا إلى أي مكان تبغاه  "

ابتسم صاحبنا وتنحنح :

- " أشكرك يا سيدي على معروفك "

ابتسم الأول وقال :

- " حللت سهلاً ونزلت سهلاً في مملكة الطيور "

ثم أشار إشارة ما فحضر أحد الحراس وأخذوه إلى غرفته ، وترك خلفه الاميرة(يمامة) مع والدها التى اقتربت منه قائلة :

- " والدي .. أتمنى أن تساعده حتى يحصل على الكتاب ويعود إلى أخته ؟ "

سمح الملك لخمري أن يقيم في مملكة الطيور كما يحب


قام الملك من على عرشه واتجه إلى نافذة القصر .. وأخذ يحلق في الظلام المخيم على الغابة إلا من بعض الأضواء الخافته الصادرة من هذه البيوت المعلقة على الأشجار ، وقال بعد تفكير :

- " ابنتي (يمامة) .. أنتِ تعرفين أننا نعيش في انعزال عن العالم منذ زمن بعيد ! وأننا لا نختلط بباقي الشعوب الآخرى ، وسأقص عليكِ مالم تعرفيه ..

صمت الملك وشرد بذهنه إلى الماضي السحيق وإلى العصور الأولى في المملكة وتابع قائلاً :

-" كان البشر كلهم من أصل واحد ، ولكن حدثت بعض الطفرات الآخرى التي قدم منها أشكال مختلفة من البشر ، وكانت تقابل هذه الطفرات بالرفض من البشر العاديين وأصبح أصحاب هذه الطفرات من المنبوذين ، وكان منهم جدنا الأكبر .. فقد ولد كأي طفل عادي ، ومع مرور الأيام نبتت له أجنحة ومخالب مثل الطيور ! وخافت أمه عليه وجنحت به إلى الغابة ، وعاش حتى بلغ وأصبح شاباً ، وقد توفى والده منذ مولده ولم يعرف به أحداً ، ولكنه سمع وعرف ذلك وقرر في قرارة نفسه أن يزوره بعدما ماتت أمه ، ولكنه قوبل بالرفض والضرب ونتفوا ريشه ! وعاد بعدها إلى الغابة مثقل بالجراح ، وقد ساعدته فتاة من أهل القرية قد أشفقت عليه ، وقد كان هو في غاية الوسامة .. بشعره الذهبي .. وعيونه الواسعة الزرقاء .. وبشرته البيضاء .. وجسده الممشوق ، وكان في حالة شديدة من الإعياء ، وهنا تركت الفتاة أهلها من أجله بعدما وقعت في حبه ، وكان بيته مخفي عن العيون ، وقام أهل الفتاة بالبحث عنها في كل مكان ولم يعثروا عليها أبداً ، وفي يوم عادت إليهم وهي في غاية التعب بسبب حملها ، وساعدتها أمها حتى وضعت ثلاثةأطفال( بنت وولدان ) ، ومع الوقت نبتت أجنحة للولد والبنت وولداً كان طبيعياً ! وينتشر الخبر ، وتهرب الأم بصغارها إلى الغابة ، ويثور أهل القرية ويقرروا حرق الفتنة والشر الذي ستجلبه هذه الفتاة مع أطفالها وكأنها حملت من الشيطان ، وهرب الشاب المجنح بأسرته ولكن الزوجة ماتت من شدة التعب والإجهاد ، وبعد فترة رحل بها الطفل الطبيعى وبقى الطفل والطفلة المجنحان ، وهنا طار بهما الأب فوق الأشجار وصنع لهما بيتاً ، ومع الوقت اتسعت العائلة وأصبحت قبيلة ثم شعب يسكن الأشجار ويخشى الناس ، ثم أصبحت مملكة عظيمة تعيش على أعالي الأشجار ، ومن يومها ونحن هكذا .. مملكة منسية مفقودة لا يدري بها أحد ولا نريد أن يعرف بها أحد ، وأرى أنه من الحكمة أن نبقيها سراً هكذا  ونحافظ على وجودنا بسلام بين الأشجار . "
   

صمت الملك قليلاً فقالت (يمامة) :

- " لكن يا والدي لقد تغير الحال .. وربما يتقبلنا الناس الآن "

قال ملك الطيور دون أن يلتفت إليها :

- " يا بنيتي الصغيرة الناس أعداء المجهول .. وهم يجهلون بنا أصلاً "

قالت الأميرة (يمامة) وهي تضع كفها على ظهر والدها وكانت تحاول أن تنظرإلى وجهه :

- " ولكننى أرى أنه من الواجب أن نساعد هذا الشاب ؛ فهو يسعى إلى الخير "

التفت والدها إليها وأجابها برفق :

- " (يمامة) .. لازلتِ صغيرة على أن تصدري حكماً على الأمور التي تحدث حولك ، فكل شيء يتطلب حكمة وخبرة ونظرة إلى المستقبل ، فأرجو منكِ أن تجعلي عقلكِ هو الحكم دائماً وليست عواطفك يا بنيتي "

حاولت الأميرة (يمامة) أن ترجو والدها قائلة :

- " أبي صحيح أنني ما زلت صغيرة ولكننى أدرك الخير من الشر "

كاد صبر الملك ينفذ وهو يقول :

-" (يمامة) .. كلام آخر في هذا الموضوع لن أقبله "

صمت ثم تابع وهو ينظر في عينيها الزرقاء الصافية :

- " ثم أنني أرى في ذلك مصلحة للجميع ، وأرى أنه من الأفضل أن لا نقحم أنفسنا في شيء نحن في غنى عنه "

وهنا طبع قبلة على وجنتها وقال :

- " أرجوكِ دعي هذه الأمور لي واذهبي أنتِ إلى غرفتك ونامي مرتاحة البال ولا تقلقي بشأن شيء ، وسأفعل ما هو الصالح من أجل مملكتى "

أطالت النظر في عين والدها ثم استئذنت منه قائلة :

- " كما ترى يا والدي .. بعد إذنك "

ثم تركته وفي نفسها أمراً آخر تفعله ، وأخذ الملك يتابعها حتى اختفت عن نظره .. فعاود النظر إلى النافذة وأخذ ينظر إلى الاضواء الخارجة من نوافذ المنازل المعلقة وتساءل :

- " ترى .. ماالذي ستحمله الأيام القادمة ل (خمري) ؟؟ "

* * *

كانت النجوم تلمع في السماء مثل اللؤلؤ على الفراش الأسود ، وقد اعتلى القمر سحب السماء ، وفي الأسفل كان جيش الظلام يسير بهمة ، حتى توقف الثور الحديدى فتوقف الجميع في دهشة ، فسمع (سيور) صوت ملكة الظلام في رأسه تقول :

- " أرى أن نبيت هنا الليلة .. وفي الصباح نكمل رحلتنا "

نظر (سيور) إلى الملكة وكأنه يسألها في صمت .. فأومأت برأسها بالإيجاب ، فصاح بصوت جوهري قوي وكأنه هدير شلال قوي :

- " فلنستريح هنا الليلة "

وما أن سمع الجنود ذلك حتى أخذوا يخيمون بسرعة وأشعلوا النار ، وأقاموا خيمة كبيرة دخلتها الملكة فى كبرياء ، وقبع الجميع فى الخارج ينتظرون أوامرها وطال الانتظار ...
حتى أخذ النعاس يداعب جفون الجميع ، وغفل (سيور) أمام النار وقد لف جسده بقطعة من الصوف التي غطته تماماً ، في حين غط (يزبك) في نوم عميق وأخذ يصدر شخيراً عالياً وكأنها موسيقى افريقية ، فجأة صمت الأخير وفتح عيناه كأنه لم يكن نائماً وقام واقفاً في قمة النشاط ! وأخذ ينظر إلى صاحبه الذي أسلم جسده إلى النوم ، وسمع في رأسه صوت الملكة تناديه برفق قائلة :

- " يزباااااااااااااااااااك "

لملم ملابسه وانسحب بخفة وكأنه لص ، حتى وصل إلى خيمة ملكته ودخلها من الخلف لكي لا يراه احد ، وما أن رأته حتى ابتسمت فقال لها :

- " لقد وحشني رحيقكِ يا ملكتي "

ثم ألقى جسده في مخدعها بين أحضانها ، وفى الخارج أخذت الذئاب تعوي وتعوي
بلا توقف .

* *
سمع (جعفر ) صوت الذئاب وهي تعوي وقد ملأت الوادي أسفل الجبل بذلك الصوت المخيف ، حتى أخذ يدثر نفسه وحاول أن يغط في النوم ، وبالفعل .. بعد فترة طويلة من الصراع مع النوم حتى غاب هو الآخر عن الواقع ، ولم يسمع هذا الشيء وهو يطقطق ويقترب منه في هدوء ! وكأنه فهد يقترب من فريسته ، ثم رفع ذيله إلى أعلى وقرر أن يلسع به الضحية النائمة !

* *
غرزت (هرنوتي) مخلبها في هذا الغصن وهي تتعلق به بعد أن كادت تفقد توازنها ،  ولحق بها الجميع حتى وقفت على حافة طريق مليء بالأشجار ، واقترب منها الملك (حكيم) وهو مندهش :

- " لماذا توقفتي ؟! "

هتفت (ليلى) قبل أن تجيب الأولى :

- " لأننا أمام الأشجار القاتلة "

قال الأمير (رمال) :

-" أهذا صحيح ؟! "

- " نعم "

قال(ظفير) :

- " وماالعمل الآن ؟؟ كيف سنمر ؟ "

هتف الملك (حكيم) متسائلاً :

- " هل هناك طريقاً آخر لكي نسلكه ؟ "

هزت (هرنوتي ) رأسها بالنفي ، وهنا قال (سوماز) :

- " وهل مر منه أحد قبلنا ؟ "

أجابته (ليلى) وقد لاحت على فمها ابتسامة ساخرة :

-" أبداً .. لم يمر أحد ونجا من هذه الأشجار "

صمت الجميع .. فقد كان الموقف رهيباً ، وكان شعاع القمر يتسلل من بين الأغصان وكأنه ينير الطريق أمامهم ، وهنا قال الملك :

- " وأنتِ يا (هرنوتي ) كيف تمرين منه ؟؟ "

- " أمر من فوق الأغصان "

- " كيف ذلك ؟! "

- " سأريكم "

ثم قفزت على الأغصان فتحركت الأغصان وأخذت تحاول القبض عليها ، ولكنها كانت تقفز من غصن إلى غصن بسرعة وخفة ، وأفلتت من الأشجار وغابت عن العيون ، وسرعان ما عاد الهرج بين أغصان الأشجار التي تحركت في كل مكان وكأنها أذرع طويلة ، وعادت صاحبتنا من جديد وقالت وهي تبتسم :

- " ما رأيكم ؟ "

صاح الأمير (رمال) :

- " مدهشة بكل المقاييس !"

وهنا أحس لأول مرة أن قلبه يدق بعنف ، وكأن أرنب صغير يقفز بين ضلوعه ، وأخذ ينظر إلى عيناها الخضروتان ووجها البيضاوي في صمت المحبين ، وراقبها وهي تتحدث والملك يرد عليها ، ولكنه لم يسمع شيئاً فقد كان في وادي آخر لوحده ، ونظرت إليه فأخذ يبتسم في عذوبه ، ولكن (ظفير) لكذه بخفه في جنبه فاستعاد تركيزه وقال وهو مندهش :

- " هل فاتني شيء ؟ "

قالت(ليلى) :

- " يبدو أنك لم تكن هنا يا هذا "

- " أنا ! "

قال الملك موجهاً حديثه إليه :

- " كنت أنتظر ردك يا أمير "

- " فيما ؟ "

قالت (ليلى) في تهكم :

- " لم يسمع شيئاً يا جماعة .. اعذروه "

تعلثم الأمير (رمال) وهو يقول :

- " أسمع ماذا ؟ "

نظر إليه الملك (حكيم ) في صمت ، ولكنه أكمل كلامه وهو يرفع حاجباه :

- " هل فاتني شيئاً ما ؟ "

هتف (سوماز) رداً على سؤاله :

- " نعم الكثير !! "

عقب الملك (حكيم) بهدوء :

- " كنت أود أخذ رأيك حول الطريق الذي سنمر به وسط الأشجار القاتلة "

- " عذراً يا صاحبي .. ولكننى لم أكن منتبهاً لحديثك من البداية "

ضحكت (ليلى) وهتفت هي الآخرى :

- " ألم أخبركم أنه لم يكن معنا "

ابتسم الملك (حكيم ) وقال برزانته المعتادة :

- " حسناً أيها الأمير الخطة كالتالي .. بما أن (هرنوتي ) تستطيع أن تمر من بين الأشجار .. فنحن أيضاً نستطيع أن نمر من بينها كذلك بشكل أو بآخر "

-" كيف ؟ "

- لا تتعجل .. سأشرح لكم كل شيء ، لابد أن تقفز (هرنوتي) على الأ ....

وأخذ يشرح للجميع خطته في العبور من بين الأشجار القاتلة ، والكل يسمع له في اهتمام واضح ، ومن ثم أخذوا طريقهم إلى هذه الأشجار حتى وقفوا أمامها وأخذوا ينظرون إليها في صمت ، كانت تفوح منهم رائحة الخوف ، وقد شعروا أن هذه الأشجار تحدق فيهم بتحدي سافر ، وفجأة قطع الملك (حكيم) هذا الصمت وهو يصرخ فيهم قائلاً :

- " الآن "

وبعد أن سمعت (هرنوتي) ذلك حتى قفزت على أغصان هذه الأشجار التي تحركت بسرعة وكأنها أذرع اخطبوطية تتحرك في كل مكان محاوله إمساك هذه المخلوقة ،
ومن ثم قال الملك (حكيم) بنفس القوة :

- " الآن "

واتجه الجميع بخيولهم البيضاء إلى قلب الأشجار مخترقين الطريق بسرعة وهم يطلقون صرخات الفرسان ، وتحركت الأغصان في كل اتجاه وبات أنهم لن ينجحوا في مسعاهم أبداً ، وبسرعة السهم انطلق غصن نحو كتف (ليلى) من الخلف وهي تنهب الأرض بجوادها !
وأخذ يقترب
ويقترب ..

* *

أزاحت الأميرة(يمامة) هذا الغصن من أمام نافذة الغرفة التي يرقد فيها (خمري) .. وأخذت تطرقها برفق ، فانتبه صاحبنا وفتحها وهو مندهش بعد أن أطل برأسه منها :

- (يمامة) !

نظرت يميناً ويساراً وكأنها تخشى أن يراها أحد وهمست وهي تقترب منه :

- " هشششش .. اخفض صوتك "

- " لما اخفض صوتي ؟ وما الذي أتى بكِ عبر النافذة في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل؟! "

- " سنهرب !! "

جحظت عيناه وقال بصوت عالى :

- " ماذا ؟! "

وضعت كفها على فمه بسرعة وهمست :

- " اخفض صوتك ستفضحنا "

سمع كلامها وهمس :

- " كيف سنهرب وأنا هنا في هذا المكان المرتفع ؟! "

- " لا تحمل هم شيء ، فقد أحضرت لك مفاجأة ! "

ثم نظرت إلى أعلى وتابعت :

- " الفجر اقترب أن يطلع وسيستيقظ الجميع قريباً ، يجب أن نسرع فأنا أخاطر بحياتي من أجلك ، لا تضيع الوقت  "

لم يفكر صاحبنا كثيراً ، وما هي إلا ثواني وكان يقف على هذا الغصن أمام النافذة ، وهنا قالت له :

- " هل تثق بي ؟ "

- " تمام الثقة "

وبعد أن قال ذلك دفعته هي ليسقط من أعلى مثل الحجر ! وقبل أن يصدر منه أي رد فعل أحس أنه اصطدم بشيء رخو .. وسرعان ما أخذ يرتفع في الهواء ، وانتبه لما يحمله .. إنه نسر ضخم ! أضخم من أي طائر شاهده في حياته ، وبجواره أخذت تحلق الأميرة (يمامة) بكل بساطة ، ومن بعيد ومن وراء السحاب .. أخذ قرص الشمس يظهر في خجل معلناً بداية يوم جديد وأحداث جديدة .

* *

فجأة وجد (جعفر) نفسه داخل كهف مظلم ، إلا من بصيص ضوء خافت يأتي من مكان ما ، وبدون مقدمات وجد الكتاب الملعون أمامه ! وهنا اتسعت عيناه ولم يصدق نفسه ، وانتفخت أحلامه وتعاظمت ، ومد يده فجأة ليمسك بالكتاب ، ولكنه وجد ذراع آخرى ذات حراشيف خضراء قبضت عليه واختفت في الظلام !! ثم عادت بسرعة لتقبض على عنقه وأخذت تعتصره بقوة ، حاول التملص منها ولكنه أحس أنه يختنق ولا يستطيع التنفس ، لحظات وسيموت .. هكذا اعتقد ، وفجأة ...
هناك نوع من أنواع المسوخ يحرس الكتاب


استيقظ من نومه ! وكان هناك شيئاً مخيفاً في انتظاره ، ونظرهو لصاحب الصوت الذي يطقطق بجانبه .. إنه عقرب ضخم ! إنه سيد العقارب بلا منازع ، وكان هذا العقرب يستعد أن يلدغه بذيله ! لولا أنه تحرك سريعاً ، ولم يعجب التحرك هذا العقرب الذي ثار غضبه كثيراً .. وهجم على (جعفر) بكل قوة وعنف وإصرار ، وأخذت الصخور تتطاير هنا وهناك ، ولم ييأس صاحبنا ولم يلجمه إصرار العقرب وأخذ يفكر وهو يفادي هذا الذيل القاتل .. ووصل للحل أخيرا ! وبسرعة قفز أمام العقرب الذي ذهل من أمر فريسته الجريئة وتوقف عن الهجوم وكأنه غير مصدق أن فريسته لم تهرب منه كالعادة .. فهو يستمتع بهذه اللعبة كثيراً قبل أن يقضي عليها وتستقر داخل معدته ، وهنا طقطق وحاول أن يلسعه بذيله .. ولكنه تملص منها ببساطة ، وحاول العقرب مرة آخرى وآخرى وآخرى .. وصاحبنا كان يتملص منه ببساطة ، وفجأة توقف كل شيء .. وكأن هناك شيئاً ما منع العقرب من مواصلة القتال ! وصدرت منه طقطقة تنم عن الألم وتراجع إلى الخلف ثم ابتعد واختفى فجأة في الظلام ، وهنا تنهد (جعفر) الصعداء وقال :

- " ظننت أنها النهاية لا محالة ! "

 
صمت واتجه ناحية مدخل الكهف وهو يتابع شروق الشمس وتابع :

- " لولا بعض السحر الذي تعلمته لقتلتنى هذا الوحش المخيف في ثواني قليلة "

أخذ نور الشمس يتسلل إلى الوادي ، وأخذ صاحبنا يتابع الوادي من أعلى ، ممنياً نفسه بالأماني وقد اقترب من حلمه .. ولكن مهلاً ..

" لقد رآه .. نعم رآه "

هناك مسخ يحرس الكتاب !!

هل يستطيع أن ينتصر عليه بسحره ويحصل على الكتاب منه ؟؟

وتردد السؤال بدون إجابة كتردد صوت طائر الكروان في الفضاء بلا انقطاع .. وكانت الإجابة عليه مخيفة لأبعد الحدود !

تاريخ النشر : 2017-03-18

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : توتو
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر