الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

كرة القدم.. ليست مجرد لعبة !

بقلم : مازن - تونس

إنّها الرياضة الأكثر شعبية في العالم

من منّا لم يشاهد لقطات من مباراة كرة قدم في حياته ؟ من منّا لم يسمع بهذه الرياضة الأكثر انتشارا في العالم التي تأخذ وقت الناس وحياتهم وتمتلئ بسببها شوارع وزوايا أكبر بلدان العالم وأكثرها تقدّما ؟ من منّا لم يملّ من طلب أصدقائه له من أجل لعب مباراة كرة قدم ؟ من مارس هذه اللعبة ولم تتسبب له في آلام وأوجاع وندم ؟ من من نساء العالم لم تتذمّر بسبب انشغال زوجها عنها وإهمال أبنائها لدروسهم بسببها ؟ إنّها الرياضة الأكثر شعبية في العالم، رياضة الجمال والمتعة والتحدي والتاريخ.. ورغم أنها محبوبة من قبل أغلب سكان العالم كونها من أكثر الألعاب تحقيقا للتسلية والمتعة، فانّني أرى انها ليست مجرد لعبة، كرة القدم أكثر من أن تكون مجرد لعبة..

"في كرة القدم، العمى الحقيقي هو ان ترى الكرة فقط"، مقولة جميلة للصحافي والكاتب البرازيلي نيلسون رودريجيز تبين ان كرة القدم أعمق من ان تكون مجرد لعبة وانّ تلك الكرة الجلدية المغطاة بالغبار والاوساخ والتي تتقاذفها الارجل ويمزقها الكبار حتى لا يزعجهم بها الصغار، هي اكثر من ان تكون قطعة دائرية يتم ركلها بطرق بهائمية وطائشة. بكل بساطة، تلك الكرة تحمل في داخلها الكثير من المعاني الباطنية. لم يتم نشر مقال حول كرة القدم سابقا في هذا الموقع، لهذا أردت ان ابادر وأقدم الاضافة باختصار وبساطة، لن اتحدث عن تاريخ نشأة هذه الرياضة ولا عن طريقة لعبها ولا عن فرقها ولا عن اشهر لاعبيها او مداخيلهم، سنتطرق لبعض اللحظات التاريخية في هذه اللعبة التي تثبت لنا انها حقا تستحق ان تكون غرضا ذا قيمة.

دموع البرازيل

بطولة كأس العالم 2014 أقيمت في البرازيل

منذ ثلاثة سنوات و في صيف 2014 اقيمت كأس العالم في البرازيل، الحدث الاعظم المنتظر من كل العالم، كان منتخب البرازيل منظم البطولة على كامل استعداده، محملا بالنجوم والاسماء الكبيرة التي كانت آمال الشعب البرازيلي معقودة عليها من اجل التتويج بأم الكؤوس، بدأ المنتخب البرازيلي المسابقة بمعنويات عالية متعززا بعامل الارض والجمهور وبالفعل حقق أول انتصار في البطولة على حساب منتخب كرواتيا بنتيجة ثلاثة اهداف لهدف وحيد وواصل مشواره بتعادل وفوز آخرين حتى تخطى دور المجموعات ثم تخطى منتخب التشيلي وكولومبيا حتى بلغ نصف النهائي واسقطته القرعة في مواجهة منتخب المانيا احد اقوى المرشحين لحصد اللقب، كانت المباراة منتظرة على أحرّ من الجمر تحت تغطية اعلامية كبيرة جدا وكثيفة كما كانت الكفة ترجح لفوز البرازيل.

امطر الالمان مرمى البرازيل بوابل من الاهداف

و في ليلة 8 يوليو 2014 انطلقت صافرة نصف نهائي كأس العالم بملعب المينيراو بالبرازيل، وامام عيون 58 الف متفرج من المدرجات و مليارات المتابعين حول العالم، سقط المنتخب البرازيلي بصورة مذلة على ارضه و امام جمهوره بنتيجة 7-1 ! فقد اخترقت الماكينات الألمانية دفاع السامبا بسهولة عجيبة و انهالت على مرماهم بالأهداف المتتالية امام دهشة الحاضرين و صدمة عشاق الكرة. " ألمانيا قليلة أدب !" كان هذا احدى عناوين الصحف الذي يلخص كل ما حدث ليلتها، المانيا قاسية ومجرمة.

من الجوانب الطريفة في الامر، ان لم تكن نتيجة المباراة اطرفها، هي أنّ الماني مخمور أصاب في مسابقة التكهن بالنتائج وربح 1.3 مليون يورو! كان تحت تأثير الخمر وتكهن بالنتيجة بدون وعي فأصاب ! هذا يؤكد انّ الامر كان مستحيل الحدوث الا عندما يفقد المرء عقله ويتوهم اشياء لا يمكن ان تحصل، لا استبعد ان لاعبي البرازيل كانوا يجرون الحركات الاحمائية قبل المباراة بقوارير خمر في ايديهم وبعض الحشيش تحت جواربهم، لأن الاداء الذي قدموه كان مناسبا لعروض رقص نسائي وليس لخوض مباراة نصف نهائية بكأس العالم.

بكت الجماهير البرازيلية بحرقة تلك الليلة

سحقت المانيا اصحاب الارض بلا رحمة وخرجت بسبعة فناجين قهوة برازيلية استمتعت بها امام دموع البرازيليين وذهول كل العالم، كان أمرا غير متوقع ولا يصدق كانت مذبحة حقيقية فبكاء الشعب البرازيلي حينها وحداده على هذه الهزيمة بدا وكأن مجزرة كبيرة حدثت لكن كل ما في الامر هو خسارة مؤلمة في رياضة تافهة كما يراها البعض، كان الجميع يشعر بالاحباط و الانكسار. ليلتها خرج مدافع منتخب البرازيل "ديفيد لويز" بتصريح ترك بصمة مؤثرة في قلوب كل من سمعه حيث قال باكيا : " اعتذر للجميع، اعتذر لكل البرازيليين.. اردت ان ارى شعبي يبتسم."، كما بكى حارس المرمى جوليو سيزار اثناء اجراء حوار صحفي على المباشر. ولاحقا، لم يتواجد اي مشجع تقريبا (4 مشجعين فقط) في معسكرات المنتخب لاستقبال اللاعبين، كيف لا بعد هذه الفضيحة ؟ كانت النخبة البرازيلية مثل جيش عاد من الحرب مدمرا و دمر بلاده معه.

غرقت الشوارع البرازيلية في الحزن والأسى لأيام، بين بكاء الاطفال ونحيب العجائز، كان الشعب البرازيلي يذرف الدموع مدرارا و يتألم على وطنه.. هل السبب مجرد لعبة يا ترى ؟ اترككم مع هذه الصور التي تغني عن اي كلام..

حققوا اللقب فصاروا أعلاما !

ليستر سيتي .. الفريق الأسطورة

كرة القدم مثل الكون، تحصل الظواهر الطبيعية بأزمان متباعدة و بطريقة تلفت نظر كل سكان العالم، فقبل كل موسم كروي يكون كل شيء هادئا ولا يتوقع احد كيف ستكون النتائج مع نهاية الموسم، مثل موسم 2015-2016. نادرا ما تحدث مفاجآت كبيرة في عالم كرة القدم ودائما تكون مسبوقة بتوقعات كثيرة لكن قصة الفريق المعجزة الذي حقق لقب "الدوي الانجليزي الممتاز" هي مفاجأة من العيار الثقيل ستبقى مسجلة في تاريخ كرة القدم مهما مرّت السنين. فريق عادي جدا وصاعد من الدرجة الثانية ذو امكانيات متواضعة من جميع النواحي يتربع على عرش الكرة الانجليزية، ومن لا يعرف الدوري الانجليزي الممتاز فهو من اقوى الدوريات في العالم ان لم يكن زعيمها، و من لا يعرف كرة القدم في انجلترا، فهي استثنائية و مختلفة شكلا و مضمونا، حتى انها تعتبر جزءا من الطقوس الدينية. لهذا كان وقع هذه المفاجأة كبيرا على كل العالم. فقد احرز فريق ليستر سيتي لقب بطولة انجلترا بعدما صعد فوق رؤوس كبارها بقيادة المدرب الايطالي العجوز كلاوديو رانييري بعد مسيرة تدريبية فاشلة وبعدما كان الجميع يسخر منه لافتقاره للالقاب، كما أنه كان يقود مجموعة من اللاعبين من ضمنهم معجزات حقيقية مثل المهاجم جيمي فاردي وهو لاعب انجليزي كان يلعب في دوري الهواة أي أنه كان لاعبا مغمورا تماما ويلعب بلا مقابل مادي وتم طرده من انديته التعيسة الكثير من المرات ليتحول بعد اكتشافه في ليستر من عامل في منجم فحم الى عنصر أساسي في منتخب انجلترا وكاتب للتاريخ الانجليزي في كرة القدم ومحقق أرقام قياسية لم يتمكن من تحقيقها أي مهاجم انجليزي سابقا بعد موسمين فقط في الدوري ! كذلك الجزائري رياض محرز الذي فاز بجائزة الأفضل في انجلترا بعد تألّقه مع ليستر ليصبح ضمن احسن 10 لاعبين في العالم ! والطريف في الامر أن الكثير من الاعلاميين الشهيرين في أوروبا وحتى في العالم العربي، أقاموا تحديات عندما احتلّ الفريق الملقب بالثعالب المرتبة الاولى في نصف الموسم، البعض وعد بحلق شعره تماما او التعري على المباشر في حالة فوز ليستر باللقب ! أيضا، في استفتاء عقب الموسم اجرته الهيئة الرسمية المسؤولة عن تعيين جائزة احسن لاعب في العالم تحصّل اللاعب الجزائري على اكثر عدد من الاصوات على حساب اكبر اللاعبين بعد اكتساح عربي في التصويت، محرز افضل من ميسي.. لمَ لا !

اللاعب رياض محرز

رياض محرز يتيم الأب، فقد كان والده لاعبا مغمورا في فرنسا وكان يسعى لأن يجعل من ابنه لاعبا محترفا في اوروبا. تعرض محرز لصدمة قوية بعد وفاته والده وهو في الخامسة عشر من عمره، فقد شعر انّ الامور اصبحت اكثر جدية والحياة اصبحت قصيرة، على حد قوله، وأنّه عليه ان يجتهد و يتقدم. وفي النهاية لم يحترف في أوروبا فقط، بل أصبح سابع احسن لاعب في العالم. المدرب نفسه لم يصدق انجازه، و لعلمكم، من يحل في الأربعة مراكز الاولى في الدوري يحجز مقعدا في دوري أبطال أوروبا الذي يشارك فيه أقوى الفرق من أقوى الدوريات الأوروبية، وقبل نهاية الموسم بأسابيع كان ليستر حينها على رأس الترتيب لكنه لم يحسم البطولة بعد، سأل احد الصحفيين مدرب الفريق كلاوديو رانييري بخصوص انهاء الموسم في المركز الأول، لكنه قاطعه وصرخ ضاحكا : "لا يهم، نحن في دوري الأبطال يا رجل نحن في دوري الأبطال !". والاهم في القصة هو اعلان عمدة مدينة ليستر بيتر سولسبي نواياه في تسمية شوراع المدينة بأسماء لاعبي الفريق ليوازنوا في قيمتهم اهم اعلام البلاد وذلك بسبب لقب حققوه في بطولة كرة قدم.

يبقى انجاز ليستر سيتي كبيرا رغم انه سرعان ما خبا نجمه وعاد لسيرته الاولى

ليستر انطفأ الآن وعاد مثل السابق يجول في اسفل ترتيب الدوري، حتى انه تمت اقالة المدرب صانع المجد بسبب سوء نتائج الفريق في الموسم الموالي، لكن الانجاز في حد ذاته مازال مشتعلا ولن ينطفئ ابدا، لأنه يحوي الكثير من القيم التي تتجاوز احتياجات اللعبة ولا يمكن ان تكون محصورة في كرة جلدية تجري على العشب، قيم نفتقر إليها ونحتاجها في حياتنا اليومية، النجاح والعمل والصبر وخاصة الفعل الصادق النابع من القلب، هذا ما تعلمه كرة القدم للذي يلعبها بقلبه وليس بقدمه. يجب عليك ان تقاتل من اجل حلمك، يجب ان تضحي و تعمل جاهدا من اجله.. انا شخصيا أتشرف كثيرا بأن احكي لأحفادي يوما ما انني واكبت ذلك الموسم وتابعت مباريات ليستر سيتي حينها على المباشر.

ادفع خصمك للأمام وتفوق عليه

منذ نحو 13 سنة كان فريق بوروسيا دورتموند الالماني يعاني من ازمات مالية تهدد بهبوطه للدرجات السفلى، حيث احتاج لتسديد بعض الديون و المبالغ المالية التي لم تتوفر في خزينة النادي و كان في طريقه نحو الهبوط، فقام غريمه بايرن ميونيخ بإنقاذه من الافلاس واقرضه المبلغ المطلوب حتى يتجاوز الازمة ويعود للمنافسة على الدوري الالماني رغم انه احد اقوى منافسيه. هذه هي كرة القدم، ان تدفع عدوك وتتفوق عليه عن جدارة واستحقاق، على الاقل تتمتع هذه اللعبة بقدر عالٍ من النزاهة والروح التنافسية والقيم الثابتة على عكس حياتنا اليومية.

الوفاء والحب الحقيقي

ارتباط اللاعبين بنواديهم يكون كبيرا احيانا لدرجة التضحية بالماديات

منذ اكثر من 10 سنوات واجه فريق برشلونة الاسباني ازمات مالية وادارية وما كان الا من قائده كارلوس بويول وزميله في الفريق تشافي هيرنانديز التنازل عن بعض مستحقاتهم المالية لفائدة النادي حتى يخففوا عليه ديونه ويساهموا في حل الازمة.. يذكر ان الكثير من اللاعبين الكبار او المغمورين قاموا بهذه اللفتة الرائعة مع فرقهم ولم يسمع الكثيرون بهذا الخبر، جانب مشرق يدل على ان لعب كرة القدم ليس محصورا بالمال. كذلك لا يجب ان ننسى الاعمال الخيرية الناتجة عن مباريات كرة القدم التي يشارك فيها ابرز النجوم.

آراء المختصين وأهل المجال

"أن تلعب بقدمك هو شيء، لكن أن تلعب بقلبك فهو شيء اخر." (كريستيانو رونالدو)

كرة القدم ليست مجرد رسوم ومناهج تكتيكية يديرها المدرب، ان تكون مدربا ناجحا لا يعني ان تكون ملمّا وعارفا بالخطط التكتيكية والعلوم الكروية بل ان تكون قادرا على التواصل مع لاعبيك وإبلاغ رسائلك اليهم بطريقة تحرك بها عواطفهم، وهذه مناهج اعظم المدربين و طرقهم في تاريخ الساحرة المستديرة ابرزهم الارجنتيني دييجو سيميوني الذي تمكن بفريق (اتلتيكو مدريد الاسباني) قليل المهارات الفردية ولا يعج بالنجوم مثل كبار منافسيه ان ينافس ويقارع اعرق واعظم الفرق بل ويتغلب عليهم. مثلما تمكن العجوز الايطالي كلاوديو رانييري من تحقيق معجزة كبيرة بأسماء صغيرة. هذا يثبت ان هذه الحرب لا تتمثل في ادراك ابعاد اللعبة ووضع آلات تنافس على الانتصار، المقصود بالآلات هم اللاعبون الذي يجرون في الملعب كجسد فقط ويحصرون ما يقدمونه في الامكانيات الجسدية او المجهودات البدنية ولا يرون مقصدا من تسجيل الاهداف الا الشهرة والأموال، ومادام النجاح في كرة القدم يتجاوز ابعاد اللعبة الملموسة، فهي في نظري اكثر من مجرد لعبة بل هي اعمق من ذلك بكثير.

الجانب المظلم من كرة القدم

صحيح أن كرة القدم لعبة جميلة ولها الكثير من الابعاد القيّمة، لكن عندما يتحول الامر الى اجرام وانتهاك الانسانية فهي تخرج من نطاقها وتتحول الى مصدر ترويع وفساد حقيقي قد يصل حتى إلى إزهاق الارواح مثلما حدث في الكثير من المناسبات الرياضية الذي أدّى التفاعل الزائد والتعصب الى كوارث حقيقية. لن اتحدث عن الاصابات او الحوادث العادية الناجمة عن المناسبات الكروية لكني سأذكر بعض الحوادث التي بقيت في اذهان الجميع وهزت العالم بأسره لفظاعتها وغرابة أسبابها لكن يجمع بينها قاسم مشترك واحد ألا وهو مهيجات هذه اللعبة الشرسة.

قتله هدف في مرماه !

الهدف القاتل في مرمى كولومبيا 1994

قد يبدو الخبر غريبا قليلا وغير مقبول لكنه حقيقة مرّة بقيت في الاذهان منذ حدوثها حتى يومنا هذا. فقد تم منذ 23 سنة اغتيال لاعب كولومبي رميا بالرصاص بسبب هدف سجله بالخطأ في مرمى فريقه. كانت كولومبيا حينها دولة فقيرة لكنها حظيت بشرف المشاركة في كأس العالم بمنتخب محترم ذي امكانيات صاعدة. دخل منتخب كولومبيا بطولة كأس العالم 1994 بين المرشحين للفوز باللقب وتمت المراهنة عليه بشكل كبير للفوز من قبل اغلب المتكهنين بهوية البطل حتى أن منظمات المافيا الكولومبية كانت من المراهنين على فوز منتخبهم بكأس العالم واثقين من قدرات نجومهم. وكانت المفاجأة بخروج المنتخب الكولومبي من الدور الاول وذلك بعد وقوعه في المجموعة الأولى الى جانب رومانيا وامريكا وسويسرا، فقد تعثرت كولومبيا في مباراتها الأولى وخسرت أمام رومانيا وبالتالي وجب عليها تفادي الخسارة في المباراة التالية التي ستجمع بينها وبين المنتخب الامريكي وهنا بدأت المشكلات حيث عانى لاعبو المنتخب الكولومبي من تهديدات جدية بالقتل الى درجة أن بعض اللاعبين الكولومبيين رفضوا اللعب. دخلت كولومبيا المباراة امام الولايات المتحدة الامريكية وكافحت منذ اطلاق صافرة الحكم لكنها سقطت وخسرت المباراة بهدف مذل وذلك بعد كرة عرضية مررها المهاجم الامريكي جون هاركس في منطقة المنافس ليقطعها المدافع الكولومبي أندريس اسكوبار ويدخلها مرماه بالخطأ بدل ان يبعدها ليساعد في خروج منتخبه من كأس العالم، سقط اسكوبار على الأرض بعد الهدف متحسرا قبل ان ينهض ويكمل المباراة لكن كلفه هذا الهدف الثمن غاليا حيث أخرج منتخبه رسميا من البطولة وهكذا انتهت احلام الجيل الذهبي الكولومبي من كأس العالم بعد ان كان مرشحا بقوة لتصدر العرش.

اندريس اسكوبار

وبعد خمسة أيام من المباراة وتحديدا ليلة 2 يوليو من سنة 1996، كان المدافع الكولومبي اندريس اسكوبار خارجا الساعة الثالثة والنصف فجرا من ملهى ليلي في مدينة ميدلين الكولومبية متوجها نحو سيارته الخاصة بعدما افترق عن اصدقائه الذين كان بصدد السهر معهم، ولما كان في سيارته ظهر له فجأة ثلاثة رجال مريبين يقال انهم كانوا مخمورين، تحدثوا مع اسكوبار كثيرا ثم قام اثنان منهم بأطلاق 12 رصاصة عليه وبعد ذلك هربوا تاركين اسكوبار ينزف قبل ان يتم نقله للمستشفى في محاولة لإنقاذه ولكنه فارق الحياة بعد أقل من ساعة.

انجرت عن هذه الحادثة الخطيرة صدمة كبيرة هزت كولومبيا بأسرها وباعتباره حدثا عالميا انتشر بسرعة البرق وانتشرت معه الفرضيات والتكهنات. وثبتت تصريحات مدرب كولومبيا فرانسيسكو ماتورانا النارية التي افادت ان البعثة الكولومبية والتي تواجدت في اميركا تعرضت إلى تهديدات بالقتل في حالة الخروج من كأس العالم، مؤكدا ان التهديد كان قويا ومباشرا لا يحتمل المزاح وفعلا ثبتت جدية هذه التهديدات حيث تم اغتيال المغضوب عليه في كولومبيا، وكان الرأي الابرز المؤيد هو أنّ الهدف المتسبب في خروج كولومبيا من كأس العالم هو السبب الرئيسي للجريمة. كما اعتقد البعض ان سبب قتل اسكوبار هو مراهنة كبار تجار المخدرات على فوز كولومبيا بكأس العالم وباعتبار اسكوبار المساهم الاكبر في توديع البطولة من الدور الأول واضاعة ارباحهم عليهم فقد تمت تصفيته. كما أفادت بعض الاقوال انه بعد يومين من الحادثة ألقت الشرطة الكولومبية القبض على اثنين من القتلة واعترفا بأنهما كانا مخمورين حينما أطلقا النار على المدافع البالغ من العمر 27 سنة نافيان تعمد قتله.

جنازة اسكوبار

تمت مراسم التشييع بحضور جماهيري غفير تجاوز المائة وعشرين الف مشيّع على رأسهم رئيس الجمهورية وجلب كل واحد منهم صورة من ذكريات ومباريات اسكوبار، وحفاظا على ذكراه منع الاتحاد الكولومبي ارتداء الرقم الذي كان يحمله في فريقه عرفانا بتاريخ اللاعب.

اثارت هذه الحادثة سخطا كبيرا في الاوساط الرياضية واقام الاتحاد الدولي لكرة القدم حدادا على وفاة اللاعب وكانت هذه الجريمة اقوى ذكرى لكأس العالم 1994 التي انتهت بتتويج البرازيل. لا يزال سبب اغتيال اللاعب الكولومبي غير معروف لكن يرجح ان سبب قتله هو عصابات المافيا الكولومبية بينما يرى البعض ان التعصب الكروي المجنون هو سبب هذه الجريمة. وتم لاحقا تصميم تمثال للراحل اسكوبار في يوليو 2002 حتى تبقى هذه الذكرى الكروية الأليمة في اذهان الاجيال القادمة.

قد ينسب الكثيرون اغتيال اسكوبار للمنظمات الخارجة عن القانون التي قامت بقتله كردّة فعل غاضبة بسبب حرمانهم من ارباح المراهنات لكن اغلب الادلة تدل على ان أندريس اسكوبار دفع حياته ثمنا لخطأ في مباراة، لن اعلّق كثيرا على هذا لكن هل من المعقول انّ حركة دفاعية خاطئة في لعبة قد تتسبب في موت شخص ؟ لا، لكن الظاهر ان هذا ممكن في كرة القدم.

الغي هدف فألغيت حياة المئات

كانت مباراة متفجرة بين البيرو والارجنتين في ستاد العاصمة البيروية

يعود تاريخ هذه الحادثة الى سنة 1964 حيث كانت العدائية بين دولتي البيرو والارجنتين حينها على اشدها، ورغم انفصال الدولتين في الساحات السياسية فقد اجتمعا في ساحة اخرى اكثر هدوءا لكن العداء بين الشعبين والتعصب الكروي أفقدها هدوءها، وذلك في مباراة ضمن التصفيات الأمريكية الجنوبية لأولمبياد ألعاب طوكيو الصيفية لعام 1964 بين المنتخبين. اجتمع المنتخبان على الملعب الدولي في العاصمة البيروفية ليما في مباراة مصيريّة تحدد هوية المترشحين لأولمبياد طوكيو، وكان هدف التقدم من نصيب المنتخب الأرجنتيني وهذا ما زاد من التوتر في الملعب وأزعج الجمهور البيروفي. كان الهدف الأول بمثابة القنبلة الموقوتة التي فجّرها الحكم قبل 6 دقائق من نهاية المباراة بعدم احتسابه هدفا صحيحا لمنتخب البيرو، فقد اعاد اهتزاز الشباك الارجنتينية الأمل للمشجعين البيروفيين وكان الغاؤه من الحكم بمثابة اشارة من قائد جيش يأمر جنوده بالانطلاق لساحة المعركة، حيث انفجرت المدرجات التي تحوي ما يزيد عن 53 الف مشاهد ودخلت الجماهير البيروفيّة الغاضبة في حالة هستيرية وكان قفزهم من المدرجات وغزوهم أرض الملعب مشابها لهجوم حربي مقتطف من فلم عسكري. امتلأت أرضية الملعب بالمشجعين الهمجيين وكأنهم وحوش هائجة حيث صعب على الناظر من المدرجات التمييز بين الاقدام المهرولة التي كانت تجري بطريقة هستيرية بعضها تلاحق حكم المباراة لتنتقم منه والاخرى تحرق وتكسّر كل ما جاء امامها والبعض الآخر يهاجم الارجنتينيين !

تفجر الوضع داخل الملعب وتم رمي الغازات المسيلة للدموع وحدث تدافع

المشهد كان مفزع حتى لرجال الشرطة خاصة بعدما ازداد التدافع والهجمية وفقدان السيطرة على الوضع الامر الذي جعلهم يطلقون النار في الهواء ويلقون قنابل الغاز بكثافة في المدرج الشمالي لمنع تدفق المزيد من المشجعين لكن هذا زاد من ذعر الجماهير وخوفهم وهو ما جعل من التدافع يزداد حدة خاصة في المدرجات وما زاد الطين بلّة هو اغلاق بوابات الملعب وجهل عناصر الشرطة خلف الابواب بالحرب الطاحنة التي تجري في الملعب لكن تدافع الجماهير المذعورة أدّى إلى كسرها.

خارج الملعب، قام الكثير من المشجعين بأعمال شغب وتسببوا في أضرار للممتلكات العامة والخاصة.

مئات القتلى والجرحى سقطوا

328 قتيلا و 500 جريحا كانت حصيلة كارثة ليما معظمهم لاقوا حتفهم بالاختناق او النزف، كما ان اغلب القتلى كانوا من الجماهير الارجنتينية وكل هذا كان بسبب هدف ألغاه حكم المباراة حتى ان بعض البيروفيين تجمعوا حينها امام منزل الرئيس فيرناندو بيلوند طالبين منه التدخل لاعتماد نتيجة 1-1 للمباراة غاية الحفاظ على آمال البيرو في التأهل. لكن تم احتساب الارجنتين من المترشحين المباشرين للأولمبياد وتنافست البيرو مع البرازيل على المركز الثاني فخسرت بنتيجة اربعة اهداف بلا مقابل لتحجز البرازيل تذكرة طوكيو وتعاقب البيروفيين.

عقب الحادثة، تم تقليص طاقة استيعاب الملعب من 53 الف الى 42 الف مقعد قبل ان يتم الترفيع فيه مجددا في 2004 غاية احتضان نهائيات كأس امريكا في البيرو. بقيت هذه الحادثة في اذهان جميع من واكبها واعتبرها البعض أسوأ كارثة في تاريخ كرة القدم بسبب ارتفاع عدد القتلى والتعصب الشديد الذي اختلط بالعداء السياسي بين الشعبين فأدّى الى مجزرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مجزرة بحصيلة نادرا ما نجدها حتى في الغارات الحربية والهجمات العسكرية كان سببها إلغاء هدف في مباراة تصفيات.

مناسبات كرة القدم هي عبارة عن ساحة لقاء مصغرة تجمع بين الجد والانفراج تخضع للتأثيرات الخارجية والعداوات الجدية فهي اكثر من ان تكون بتلك البساطة، الامر اكثر قيمة مما تتصورون وعشية 24 مايو 1964 اكبر دليل على هذا.

وكم من الارواح أزهقت بسبب هذه اللعبة الشرسة!

ليست جرائم كرة القدم محصورة في الملاعب او اللاعبين فقط بل امتدت ايضا بين صفوف الناس العاديين وتحولت إلى قضايا في المحاكم، حيث تفيد دراسة برازيلية اجريت منذ سنوات أن 42 جريمة قتل بسبب كرة القدم حصلت في البرازيل خلال الفترة الممتدة بين 2004 و 2014! كما ارتبط اسم ايطاليا والارجنتين بالتعصب الكروي الشديد الناتج عنه جرائم قتل، ويمكن التأكد من هذه المعلومات في محركات البحث وستجدون العجائب. ولن اذهب بكم بعيدا لأنه لو ينظر كل واحد منكم حوله سيرى ما تتسبب به كرة القدم في مجتمعه وفي الحياة اليومية.

ختاما

ما ذكرته في هذا المقال هو قطرة من بحر في عالم كرة القدم الواسع، يوجد الكثير والكثير للحديث عنه، حاولت ان اختصر بالقليل وقدمت بعض المعلومات فقط كثقافة عامة، حتى لو كتبت عشرات المقالات وذكرت كل الحادثات والرمزيات الشهيرة، فهو لاشيء في الواقع، تعلمون لماذا ؟ لأن كرة القدم حياة كاملة، حياة مصغرة ظاهرها 90 دقيقة من الزمن على رقعة جغرافية محدودة المساحة وباطنها عالم كامل بأفراحه بأتراحه، بانفعالاته ومشاعره وقيمه التي نحتاجها لممارسة حياتنا اليومية. وراء كل ركلة كرة يجب ان يكون هنالك مقصد وهدف، كل خسارة بحد ذاتها انتصار، انها الحياة الحقيقية..

مصادر :

32 Quotes About Football That Prove It’s More Than Just A Game

A Drunk Dutch Earns 1.3 Million Euros after Betting 7-1 for Germany

Estadio Nacional disaster

الهدف الذي قتل صاحبه... أندريس إسكوبار

تاريخ النشر : 2017-04-02

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر