الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

مصاص دماء بوخارست

بقلم : الكابوس / جدة - المملكة العربية السعودية

اشاع الرعب والذعر بين حسناوات بوخارست

رومانيا إحدى دول البلقان , جمهورية يترقرق منها نهر الدانوب ذو الضفتين ومجرى الماء العذب , لازال المخضرمون فيها يتذكرون قصة نهر آخر من الدم المسفوك حيث شهدت عاصمتها بوخارست عام الرعب الذي بلغ صيته الآفاق عندما تفشّت ظاهرة خطف الفتيات وإغتصابهن وقتلهن فدبَّ الذعر بين الأهالي ..

كان يصول في المدينة ويجول قاتل متسلسل كالذئب لا يتصيد فرائسه إلا في جُنح الليل , ومسلسل الجرائم يشير إلى سفاح يتسلل في أزقة المدينة وضواحيها ليقتنص ضحياته من البنات فيطرق بالفأس على رؤوسهن ثم يسوقهن إلى وكر مهجور يكون قد مهَّده مسبقاً , وبينما تلفظ الضحية أنفاسها الأخيرة يسُلُّ عليها سكيناً ويهوي به على جسدها بالطعون مراتٍ ومرات حتى تغدو جثة هامدة , ثم يصنع المُثلى بجسدها ويمزق أحشائها بشناعة فاقت فظائع جاك السفاح في انجلترا , ثم يقضم بالعض مواضع حساسة من جسد الضحية ويمضغها بأسنانه بطريقة لن يصل إليها جزار روستوف في الحقبة السوفييتية , ثم كان يمارس جماع الموتى بسلوك سيسلكه من بعده سفاح فلوريدا الشهير تيد بندي , وكان يلتهم لحم الضحية نيئاً بشراهة تُضاهي وحشية الألماني فريتس هارمان ونَهَم الأمريكي ألبرت فيش , وكان سفاح بوخارست مولعاً بشرب دماء الضحية وسار على نهجه مصاص الدماء في كاليفورنيا ريتشارد تشيس.

بلغ بالفتيات ان يمتنعن الخروج من المنزل

لقد خلق السفاح أجواءاً من الهلع في نفوس العائلات وروَّع الرومانيات وأقلق مضاجعهن كلما نقصت من بنات المدينة من أضحت أثراً بعد عين حتى بلغ الأمر بالفتيات أن يمتنعن عن الخروج من المنزل أو من مقر العمل بعد التاسعة مساءاً إلا بصحبة أحدٍ من ذويهن أو برفقة عُصبة من النساء يفوق عددهن الخمسة على حذرٍ شديد , وذلك بعد إنتشار جرائم القتل والإغتصاب والتنكيل التي يقترفها السفاح الذي لم يزل طليق السراح.

عام الرعب في بوخارست أمتد من شهر نيسان / إبريل 1970 إلى مطلع شهر مايو/ حزيران 1971 , مضى خلاله مصاص الدماء على دأبه يتتبع طرائده من الإناث تحت جُنح الظلام وجعل ليل بوخارست يسوده السكون في جوٍ مخيف , وأشتهر أيضاً بلقب (قاتل الشقراوات) و (الرجل الذئب).

في سعيها للقبض على القاتل قامت شرطة بوخارست وفريق من الإستخبارات المحلية بحملة إعتقالات واسعة طالت المرضى النفسيين والمشبوهين وأرباب السوابق المتحرشين بالفتيات وأطلق عليها (عملية النسر) ، وسميت الحملة على إسم الشارع الذي قتلت فيه غورغيتا بوبا ليلة التاسع من أبريل عام 1971 وشارك في الحملة 6000 عنصر من وكالات إنفاذ القانون بدوريات وسيارات ودراجات نارية تجوب شوارع بوخارست كل ليلة ، وتم وضع المسعفين والأطباء في حالة التعبئة , وأقصى درجات الإستطلاع من المخبرين الذين يعملون كمشغلين للحافلات الليلية والباصات وموظفي الفنادق والبارات , وبلغ عدد المعتقلين 2565 موقوف إلا أن ظهور جثث جديدة في المناطق المنعزلة والمنزوية جعلهم يُقرِّون بأن سفاح بوخارست لا يزال طليقا ومتوارياً فأخلوا سبيل المُحتجزين على ذمة التحقيق.

صور لبعض ضحايا السفاح

وإستمر مسلسل الاغتصاب والقتل الشنيع الذي روّع أهالي بوخارست خلال ذلك العام, وإطلع المحققون على تقارير المُخبرين المُرابطين حول موقع كل جريمة , وبلغ مسلسل الجرائم 23 ضحية , لم يتعرضن جميعهن للقتل , فالبعض منهن نجحن في الافلات والفرار من بين مخالب الذئب البشري.

وذات ليلة , في الرابع من مارس عام 1971 عثرت الشرطة بجوار جثة الفتاة ميهيلا أورسو على مذكرة تشخيص طبي من مشفى بوخارست عن مرض الصرع , وكانت الورقة ملطخة بالدم وتكهَّن بعض المحققين أن الورقة لم تسقط من القاتل سهواً بل أسقطها عمداً لتكون دليلاً على أنه مجنون ليُعفى من المحاكمة فيما لو تم القبض عليه , وكانت تلك الورقة هي الدليل الذي قاد المحققين إلى السفاح , فعن طريق مراجعة ملفات المرضى في المشفى وبمعاينة خصلات الشعر التي كانت مغروسة في أظافر الضحية وبمساعدة الفتيات اللاتي نجون من القاتل انتهى المطاف بالقبض على ذلك السفاح الدموي في 27 مايو 1971, وكان يدعى أيون ريمارو.

لم تُصدق عائلته وأصدقاءه أنه مصاص الدماء الذي إرتكب أبشع الجرائم والإنتهاكات وروّع سكان بوخارست , فهو شخص بسيط ليس مقداماً على قتل ذبابة أو حشرة, وعُرف بين أساتذته في المدرسة ورفاقه في السكن الجامعي بهدوئه وشدة خجله وكان إنطوائياً بلا شلة أصدقاء, وساهياً ينطبق عليه المثل الشعبي : (ياما تحت السواهي دواهي).

السفاح ليون ريمارو

ولد في 12 أكتوبر 1946 بمدينة كاراكال , وعانى في طفولته من قسوة والده فلوريا الذي كان قد أعتقل عام 1944 , وكانت تهمة الأب هي قتل 4 نساء , وتمت تبرئته منها لعدم كفاية الأدلة ، فتلك الجرائم حدثت أثناء فوضى الحرب العالمية الثانية ، ونجى الأب القاتل من العقاب ، وكان يعامل زوجته وإبنه بفظاظة وعدوانية مفرطة تركت في نفس الطفل أعمق الجرح وأبقاه , وربما علم الإبن بالجرائم المنسوبة إلى والده فبقيت آثارها طاغية على ذهنه حتى ترعرع إلى سن الصبا فكانت لها وقعاً نفسياً بالغاً قاده إلى ما يشبه الجنون .. أو شطحات من الجنون .. جعلته مرة يقدم على اغتصاب ابنة معلمه الصغرى .. وقادته إلى المصحة مرات .

تحولت قضية ريمارو إلى قضية رأي عام وقبل المحاكمة إدعى محاموه بأنه مختل عقلياً وغير مسئول عن أفعاله ، وأثار هذا الإدعاء ضجيجاً ملأ الشارع الروماني والجماهير لخشيتهم من وقف المحاكمة وإفلات السفاح من العقاب بإيداعه مشفى الأمراض العقلية أو المصحة النفسية . لكنه أُخضع للفحص وقررت اللجنة الطبية أنه بكامل قواه العقلية فأحيل إلى المحاكمة وأُدين بتهم الخطف والإغتصاب والقتل العمد في 16 جريمة من أصل 23 جريمة إعترف بإرتكابها وهي مجموع ضحياته في بوخارست وحكم عليه بالإعدام فدوَّت قاعة المحكمة بتصفيق الحاضرين .

استأنف ريمارو الحكم ، ولكن المحكمة العليا أيَّدت حكم الإعدام ونُقل ريمارو إلى سجن جيلافا بشاحنة , وكان ساخطاً وعدوانيا وحاول الهرب فإضطر الضباط إلى ربطه بالحبال.

لا اريد الموت .. اريد ان اعيش ..

في 23 أكتوبر 1971 سيقَ ريماور إلى حجرة الإعدام , وكان خائفا مضطربا يجهش بالبكاء , وعند سؤاله عن رغبته الأخيرة صرخ قائلاً : (إتصلوا بوالدي ليرى ما يحدث لي, أحضروه فهو المذنب الوحيد ) . وحين وضعوه أمام كتيبة الإعدام (كان الإعدام حينها في دول المعسكر الشرقي بأطلاق الرصاص على الرأس باعتبار أنه ارحم من الشنق) .. وقبل أن يطلقوا عليه الرصاص صرخ قائلا بتوسل : "أريد أن أعيش"! .. ثم راح يقفز بجسده المقيد وينطنط هنا وهناك مما صعب من عملية إعدامه ولم يسقط إلا بعد أن نالته رصاصات عدة ثم أجهزوا عليه برصاصة في مؤخرة رأسه .

في العام التالي 1972 لقي ريمارو الأب مصرعه إثر سقوطه من قطار مترو الأنفاق , وهو أمر نادر الحدوث , وقيل أن أحداً ما قد دفعه دفعاً نحو السقوط وبأنه ربما قتل من باب القصاص والانتقام من قبل أهالي الضحايا أو الشرطة السرية , إذ كان هناك اعتقاد قوي بأنه كان على علم بجرائم أبنه وشجعه عليها .

ومن المثير للاستغراب أن محققي الشرطة أخذوا بصمة والده وآثار أقدام حذاءه العسكري مقاس 42 وإكتشفوا أنها تتطابق مع بصمة القاتل وآثار أقدام حذاءه العسكري في مسرح الجرائم عام 1944 التي أفلت منها حينذاك , ولو أنه لم يُفلت منها وتمكنت الشرطة المتقاعسة من إدانته في ذلك العام لما عاد إلى بيته , ولما أنجب إبنه السفاح إيون بعد عامين , وكانت إدانته ستوفر على بوخارست دماء 23 امرأة وفتاة شربها مصاص الدماء أيون ريمارو.

مقطع فيديو عن السفاح

من عجائب الأمور أيضاً أن الضحية الأولى للأب والضحية الأولى للإبن تتطابقان إلى حد كبير في الإسم , فضحية الأب الأولى هي إيلينا أودريا ، وضحية الإبن الأولى هي إيلينا أوبريا! ..

هذا التشابه العجيب بين سلوك الأب والأبن الإجرامي حير الكثيرين , ولعله مصداق لمقولة أن الشجرة الخبيثة لا تطرح سوى ثمرا خبيثا , ومؤكد بأن الأمر له علاقة بالجينات , وهو أمر معروف منذ القدم , ولهذا ترى الناس يسألون أول ما يسألون عن أهل الشخص وعائلته , لأنهم بالتجربة يدركون أن الأبناء والبنات لا يرثون فقط المال واللقب والملامح من عائلاتهم , لكن أيضا – غالبا وليس دائما – بعض أنماط التصرفات والسلوك والعادات . وأفاد عالم النفس الدكتور تودوريل بوتوي الذي شاهد أشرطة إستجواب ريمارو بعد سنوات من إعدامه أن الجينات المؤهلة لجرائم العنف قد انتقلت من الأب إلى الإبن حيث تشابهت ظروف ودوافع الجرائم بينهما.

المصادر :

Ion Rîmaru - Wikipedia

Ion Rimaru AKA The Wolf Man ~ Haunted Universe

Living in Bucharest | Bucharest Life | Rimaru: The Butcher

ExecutedToday.com » 1971: Ion Rimaru, the Vampire of Bucharest

تاريخ النشر : 2017-04-18

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر