الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

أشواك

بقلم : منار عبدالهادي - العراق
للتواصل : [email protected]

أخبرت صابرين أن لا فائدة من استمرار علاقتنا وأقفلت الخط ..

كانت ترمقني بنظراتها الحادة كلما سمعت شخصاً يمتدحني من الحاضرين ! لا أعرف ما الذي كانت تريده تلك الفتاة مني بالضبط , ففي الوقت الذي كنت فيه مشغولاً مع الآخرين بآلية ترتيب اللوحات في معرض الفنون الذي سيتم إقامته في اليوم التالي , والذي سأعرض فيه لوحتي الزيتية التي تصور امرأة عجوز تحيك بيديها الذابلتين والموشومتين بأشكال غريبة كنزه صوفية ، كانت صابرين تلاحقني بنظراتها من بعيد دون أن تشارك معنا في ذلك , تاركة لوحتها التي تروم عرضها في المعرض مركونة في إحدى زوايا المكان لوحدها .


عندما تخرجنا معاً من كلية الفنون الجميلة قبل ثلاثة أعوام كنا متفقين حينها على الزواج خلال وقت قصير بعد قصة حب استمرت لسنتين من عمر دراستنا الجامعية ، ولأسباب مادية تم إلغاء فكرة الزواج .
لم أكن امتلك غير غرفة متواضعة هي جزء من منزل أبي بمساحته ذات الستون متراً مربعاً ، والذي يأوي سبع أشخاص بالإضافة لي , هم شقيقي الأكبر وزوجته وطفله ذو العام الواحد وشقيقي الأصغر وشقيقتي التي تكبرني بعام ووالداي .. كان الطابق الثاني يحتوي على غرفتين أحدهما يشغلها أخي المتزوج والأخرى نشغلها أنا وأخي , فيما تشغل شقيقتي ووالداي غرفة في الطابق الأسفل . 


حينما تقدمت لخطبة صابرين كان أول سؤالين سألهما والدها هما كيف تعيش وماذا تعمل ؟ أجبته عن حالة منزلنا وأخبرته بأن أخي الأصغر سينتقل إلى الغرفة السفلى لحين تمكن أخي المتزوج من استئجار منزل له , ليكون الدور العلوي لي ولشقيقي الأصغر ، وبالنسبة لعملي أخبرته بأني أعمل سائق سيارة أجرة , وفي اأيام الجمعة أذهب إلى شارع المتنبي لأرسم صور من يودُّون أن أرسمهم مقابل خمسة آلاف دينار للصورة الواحدة . 

لم يعطِ والدها أية إجابة , بل اكتفى بقوله لنا اذهبوا وسنرد لكم الجواب فيما بعد ..
بعد يومين اتصلت بي صابرين قبل أن يتصل والدها بوالدي لتبلغني برفض والدها الذي أصر على أن لا يعطي ابنته إلا لشخص يمتلك منزلاً لوحده ومصدر رزق أفضل من سيارة الأجرة .
يومها أخبرت صابرين أن لا فائدة من استمرار علاقتنا وأقفلت الخط . 

حاولت الأخيرة أن تتصل بي لأكثر من مرة ولمدة سنة بعد الخطوبة ولكني قاومت رغبتي الشديدة بالاستمرار معها ولم أجبها رغم حنيني الشديد لها .


في أحد الأيام اتصل بي أحمد وهو أحد أصدقائي من أيام الكلية وأخبرني بأن بعض طلاب دفعتنا قرروا أن ينشئوا معرضاً للوحاتهم في المنتدى البغدادي في نهاية شارع المتنبي , وأن علي الحضور إلى هناك إن كنت راغباً بالمشاركة وإحضار إحدى لوحاتي تمهيداً لعرضها في صباح يوم الجمعة القادم . 


هناك التقيت بعدد من الزملاء والزميلات الذين استرجعت معهم ذكريات الدارسة ، المفاجأة أن صابرين كانت معهم وقد رحبت بي أشد الترحيب ، لكن ملامحها تغيرت فجأة حين رأت خاتم الخطوبة في يدي اليمنى .. بادرت بسؤالي بوجه متجهم وبنبرة صوت تنم عن شعور بالحنق والغيرة " هل أنت خاطب؟ " " نعم ، قبل شهر من الآن " أجبتها باقتضاب . تنحت بعيداً , وباتت ترمقني بنظرات يغلب عليها الحقد والاشمئزاز , خصوصاً عند ذكر رسوماتي من قبل أحمد الذي كان يأتي معي كل يوم جمعة إلى شارع المتنبي لنرسم معاً , جاعلاً باقي الزملاء يكيلون لي عبارات الإشادة والتشجيع على الاستمرار .


لم تكن سارة خطيبتي بين الحضور على الرغم من إخباري لها بموضوع المعرض .. كان أحمد أحد القائمين على المعرض وطلب مني حين اتصل بي بأن أتصل بمن أستطيع من الزملاء القدامى ليشاركوا في المعرض , ولأن خطيبتي إحدى خريجات الدفعة اتصلت بها وأبدت استعدادها للمشاركة وأنها ستختار لوحة كانت قد رسمتها قبل شهر لطفل يحبو نحو مجهول , لكنها عادت واتصلت بي فيما بعد لتقول أن إحدى قريباتها ستتزوج يوم الجمعة ويجب أن تكون حاضرة في حفل الزفاف , لذا لن تتمكن من الحضور والمشاركة على الرغم من أن المعرض سيفتتح صباحاً وأن حفل الزفاف سيكون عند المغيب , كونها تود أن تتحضر جيداً لذلك الحفل . 


إنه لشيء جيد أن لا تأتي وترى صابرين التي غيرت نظرة الإعجاب التي رمقتني بها أول دخولي لباحة المنتدى إلى نظرة حقد واستهجان وازدراء غريبة .

كانت سارة كثيرة السؤال عن صابرين وكانت تتحجج بأنها تود معرفة أخبارها كونها فقدت الاتصال بها منذ آخر يوم لها في الكلية وأني الوحيد المعروف بقوة علاقتي معها .. كان ذلك حيلة منها لتكتشف ما إذا كنت على اتصال معها أم لا , وإن لازلت اهتم لسماع أخبارها .


في صباح اليوم التالي وعند الساعة التاسعة صباحاً افتتح المنتدى أمام الحضور فيما تأخرت أنا إلى الساعة التاسعة والربع بسبب قطع عدد من الشوارع والجسور من قبل رجال الامن تحسباً لأي خرق أمني قد يحصل . 
كانت المفاجأة أن لوحة صابرين التي تصور زقاق بغدادي قديم تخترقه عربات تجرها الخيول كما كنت قد شاهدتها قبل خروجي في المرة السابقة , لم تكن ضمن اللوحات التي تم عرضها حول النافورة التي تتوسط ساحة المنتدى , بل كانت هناك لوحة أخرى بتوقيعها هي عبارة عن يد تخرج من الأرض وتمسك بزهرة تتفرع من ساقها عدد من الأشواك , كان قد غرس بعض منها داخل اليد تاركة الدماء تسيل منها , وتصنع بقعة حمراء على الأرض . 


كانت صابرين تقف أمام إحدى وسائل الإعلام على بعد خمسة لوحات من لوحتها لإجراء لقاء صحفي ولم تنتبه علي وأنا أمعن النظر إلى لوحتها تلك .. لم يكن ذلك الرسم غريباً علي .

ذات يوم وحينما كنت خارجاً لتوي من إحدى المحاضرات , نادتني صابرين لتريني شيئاً قالت بأن سارة قد رسمته بقلم رصاص على ورقة بيضاء وقامت بإعطائه لي ، كان الرسم نفس ما موجود بتلك اللوحة التي عرضتها صابرين ولكن بفرق بسيط هو أن الزهرة لم تكن تحتوي على أشواك .. 
- " إنها رسمة عادية ما الشيء المبدع فيها؟ " قلت لها بذلك اليوم متهكماً 
-  "إن تلك اليد هي يدي ألا ترى التشابه" رفعت يدها نحوي ثم استطردت مبتسمة : 
- " أما الزهرة فهي أنت .. انظر إلى تويجها لقد رسمته سارة ليشبه تسريحة شعرك " .


- "هل تذكرها ؟" 
أعادتني هذه العبارة إلى الواقع بعد أن كنت مقطوع عنه . التفت نحو مصدر الصوت لأكتشف أنها صابرين ، ثم أضافت بنبرة هادئة 
- " بالأمس اتصلت بسارة لأستذكر معها هذا الموقف , تفاجأت حينما أخبرتني بأنك خطيبها ! .. ليس هذا المهم , المهم هو أن تعرف أن أبي لم يرفضك كما قلت لك وقال ذلك أبيك , بل إن هذا كان اتفاق بين والدينا نحن الاثنين ليمنعوا زواجنا , هم كانوا أصدقاء واتفق أبوك مع أبي لتتزوج أنت من ابنة عمك سارة وأتزوج أنا من ابن عمي ..
أبي أخبر والدتي بذلك فيما بعد وقد سمعت حديثهما دون أن يشعرا بي ، فحاولت قدر الامكان إخبارك ولكنك لم تكن تجيب على اتصالاتي ورسائلي ، وكنت تعتقد بأني أفتعل الكذب للوصول إليك .

لم أحقق رغبة أبي بالزواج من ابن عمي رغم محاولاته الكثيرة معي لكنك فعلت , أتمنى لك حياةً سعيدةً , دون أن تتحدث فيها وتصدع الرؤوس عن الإرادة .. وداعاً 


ملاحظة : القصة منشـورة سابقاً في موقع آخر لنفس الكاتب 


 

تاريخ النشر : 2017-09-12

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر