الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

"تعالالي" يا أبي ..

بقلم : محمد بن صالح - المغرب
للتواصل : [email protected]

لو اجتمع كل رجال الأرض بحنانهم ومحبتهم لن يعوضوا للمرء غياب الأب 

إنه الأب الذي يقطع من جسده ليأكل أطفاله ، الذي يحمل هم و غم الدنيا من أجل أن يعيش أولاده حياةً أفضل
ربما ظلمنا كثيراً هذه الشخصية الأبوية في مقارنتها مع الأم ، فمعظم المجتمعات ترى في الأم رمز الحب والحنان أما الأب يرتبط دائماً بالصرامة والجدية .
لكن عزيزي القارئ وراء تلك القسوة توجد جنينة من الأزهار يجري فيها نهر الحنان لكننا لا نرى هذا الجانب إلا عندما نكبر ونواجه الحياة بمصاعبها ، وفي تلك اللحظة نتذكر ذلك الوالد الذي كان على حق في كل قسوته وعتابه لنا ، فالأب لن يكرره الزمان ، و لو اجتمع كل رجال الأرض بحنانهم ومحبتهم لن يعوضوا للمرء غياب الأب .

***

عاد الإخوة في سبيلهم وتلك الكلمات المحمومة التي خرجت من ذلك الجسد المهترئ ترقص في أذهانهم أنا أنا ....

***

كان السيد عبدالله الذي وصل به العمر إلى أبواب العقد السادس يعيش في المدينة مع عائلته الصغيرة المكونة من زوجة و ثلاثة أبناء ، كان يعرفه الجميع بطيبوبته وحسن تعامله مع الناس ..
كان سيداً متقاعداً يقضي يومه بين المنزل والمسجد ، وفي أحد الأيام استيقظ السيد عبد الله باكراً كعادته قبل الفجر وتوجه إلى المسجد لصلاة الفجر وقراءة بعض أيات الذكر الحكيم ، وبعد بزوغ أشعة الشمس عاد إلى البيت وتناول فطوره وودع أولاده الثلاثة "حسن" و " إبراهيم" و "عائشة" وزوجته ثم توجه الى المحطة الطرقية ليستقل الحافلة المتوجهة إلى بلدته الأم و مسقط رأسه لزيارة بعض الأقارب في المنطقة .


بعد الوصول إلى وجهته قام السيد عبدالله بزيارة الأقارب والمعارف وقضى عشرة أيام في البلد ، وفي يوم العودة اتصل بأولاده ليخبرهم بعودته إلى المنزل كانت تلك آخر مرة يسمعوا فيه صوت السيد عبدالله .
أتت ساعة وصول الحافلة القادمة من البلد التي يفترض أن يكون السيد عبد الله على متنها ، لكنه لم يصل في الوقت المفترض ، بدأ القلق يتسلل إلى العائلة بعد تأخره .

مر أول يوم دون أثر للوالد وهنا اتصل الأبناء بكل المعارف والأقرباء في البلد والجميع أجمعوا على أن السيد ودعهم وكان يستعد للسفر في مساء ذلك اليوم ، ومن المفترض أن يصل إلى المدينة .

توجه ابن السيد عبدالله البكر "حسن" إلى مكتب الحافلة القادمة من البلد التي يفترض أن يعود فيه والده للسؤال عنه لكن إجابة مساعد السائق كانت صادمة ، فقد أخبره أن مسافرين اثنين فقط صعدوا من تلك البلدة وهما سيدة مسنة وشاب آخر ولا يوجد أي رجل بمواصفات والده صعد إلى الحافلة ..


تفاقمت حال العائلة بعد مرور بضعة أيام أخرى دون ظهور أثر لوالدهم ، وهنا قرر أبناىه التوجه إلى البلد لبحث عن أي خيط يقودهم إلى اﻷب الغائب .
بعد الوصول إلى البلد استفسروا كل السكان و وزعوا صوره على الجميع لعل أحدهم يأتي بالخبر المنتظر لكن دون جدوى ، فآخر من شاهد والدهم كان عمهم اليازيد الذي أخبرهم أن شقيقه قضى الليلة الأخيرة معه وفي الصباح ودعه وغادر صوب العودة إلى المدينة ولم يسمع عنه منذ تلك اللحظة .

هنا قرر كل من في البلدة البحث عن السيد عبد الله في المنطقة ، وتم إبلاغ الشرطة التي حضرت بدورها وفتحت تحقيقاً في القضية ، بحث عنه كل معارفه في كل المدن و في المستشفيات والمحاكم وكل الأماكن المشكوك فيها لكن لا أثر للسيد عبدالله ، و كأن التربة انشقت وابتلعته ، وهنا ازداد حال زوجته تدهوراً وزاد المرض عليها بعد اختفاء رفيق عمرها في ظروف مبهمة ، حتى فارقت المسكينة الحياة دون سماع جواب عن سؤالها " يا ترى ماذا حل بأبيكم ؟ ؟


طارت الحمامة من البيت الحزين وتركت جرحاً آخر في جسم الأسرة ، لكنه لا يصل إلى الألم الذي خلفه غياب الأب الذي سرقه الزمان منهم ، أما الأم فقد استجابت لنداء ربها في أحضانهم .

***

كبر الإخوة الثلاثة وأصبح لكل واحد منهم أسرته وحياته الخاصة ، ويظل القاسم المشترك بينهم هو وشم الحزن الذي أبى أن يلتئم رغم تعاقب السنين ، فمنذ غياب الأب طويت صفحة السعادة في كتاب الأسرة وكل أفراحهم لا تكتمل وكل مناسبة يحضر فيها ذكرى والدهم الذي واجه مصيره المجهول وقدره المحتوم دون علم أحد سوى الله .

وتواصل مركب الحياة في بحر الأحزان وحضر يعقوب بكل صبره وأمله في اللقاء .


وكأن كل ما ذكرناه من الألم والمعاناة لا تكفي هذه الأسرة ، فقد خرج سيف الافتراء والبهتان من غمده ليخدش ما تبقى من الجسد المبتور ، حيث زعم البعض مشاهدة السيد عبد الله في مدينة أخرى وادّعى أخرون مقابلته ، وبدأت الإشاعات تلقى صداها وبدأت الافتراءات تروى على مسامع الأسرة بخصوص الأب الغائب ، حيث أشار البعض إلى أن السيد هرب من عائلته وتزوج بعيداً عن أنظارهم ، هذه الرواية تم تداولها كثيرا بين الناس حتى صدقها الكثيرين، كل هذه الشائعات آلمت كثيراً الإخوة وزادت من معاناتهم ..


ومرت سنة وتلتها أخرى ثم مثلها حتى بدأ الناس في نسيان تلك الواقعة باستثتاء الإخوة الذين لم تفارقهم الذكرى في كل يوم وفي كل لحظة يحضر فيها ذلك الغائب .
لكن مهما طال الليل لابد للفجر بالبزوغ و لابد للحق بالظهور وسط بحور الباطل .


بعد خمسة عشر سنة من البحث عن الحقيقة أتت أخيراً الحلقة الأخيرة والمفقودة التي وضعت حداً لكل المزاعم والادعاءات .


في أحد الأيام وبينما كان "حسن" الابن البكر منهمكاً في عمله رن هاتفه ، كان المتصل ابن بلدته ، و بعد السؤال عن الأحوال أخبره المتصل عن مرض عمه الشديد وأنه أصبح على فراش الموت ، انتفض "حسن" في مكانه و اتصل بأشقائه " إبرهيم "و " عائشة" وأخبرهم بحال عمهم المتدهور ، أسرع الإخوة في السفر إلى البلد من أجل إدراك عمهم قبل موته ، فهو آخر من تبقى لهم من نسيم الأب .

حضر الإخوة إلى بيت عمهم الذي كان يحتضر في الفراش وبجواره بعض الجيران ، وتوجهوا صوب عمهم وقبَّلوا رأسه وسط دموع وألم لحظة الفراق .
لكن عمهم لم يكن بإمكانه إلا نطق بعض الكلمات بصعوبة ، وهنا أخذ يد عائشة وعصرها في يده ونطق بآخر كلمات له في عالم الأحياء وقطرات الدمع تتساقط من عينه :

<< أريد أن أموت مرتاحاً ، أنا أنا من قتلت أبوكم ورميته في البئر الموجود أمام البيت ، سامحوني .. سامحوني >>

ومات الرجل ..


تلك الكلمات كان كافية لتزلزل الأرض تحت أقدام الحاضرين ، حيث لم ينطق أحد بكلمة بل اكتفوا بتبادل النظرات ، وكانوا تحت تأثير هول ما نطق به ذلك الجسد المستلقي أمام أعينهم و الذي فارقته الروح .


لم يعد عقل الإخوة قادرٌ على التركيز ، وتحولت اللحظة إلى كابوس ، وبعد بضع ساعات تم دفن الرجل وتوجه الإخوة إلى مقر الشرطة لفتح قضية والدهم من جديد ، وكانت شهادة عمهم هذه المرة رأس الخيط .

حضرت الشرطة وقامت باستخراج ما تبقى من جسد والدهم من البئر ، وبعد كل الإجراءت التي استمرت أسبوع وافقت السلطات أخيراً على دفن الضحية ، و أغلقت القضية في مخافرالشرطة لكنها ازدادت سوءاً في قلوب الإخوة ، فبعد معرفة مصير والدهم أخيراً كان هناك لغز آخر مبهم لم يكشف عنه عمهم ، فقد أدركه الموت قبل ذلك ..

لماذا قتل عمي أبي ؟ ماذا كان بينهما يا ترى ؟


***

تلك الأسئلة ستبقى خالدة تفتقد الجواب الذي أصبح تحت الأرض ، وعاد الإخوة في سبيلهم وتلك الكلمات المحمومة التي خرجت من ذلك الجسد المهترئ ترقص في أذهانهم .. أنا أنا أنا القاتل .


ملاحظة : هذه القصة مستوحاة من واقعة حقيقية حدثت في مسقط رأسي في جنوب المغرب ، تم تغيير بعض الأحداث والأسماء وعدم ذكر اسم المدينة والبلدة حفاظاً على الخصوصية .


 

تاريخ النشر : 2017-11-10

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر