الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ليوبولد الثاني : هتلر بلجيكا الذي تناساه التاريخ

بقلم : ابن الليل - الجزائر
للتواصل : [email protected]

احد اكثر الحكام بشاعة في التاريخ

يحفل تاريخ البشرية بعدد كبير من القتلة والمجرمين الذين ارتكبوا أفظع الجرائم بطرق واساليب قد تختلف من واحد الى آخر، غير ان هؤلاء السفاحين ليس بالضرورة ان يكونوا اشخاصا ذوي امراض وعقد نفسية او ان يكونوا نتاج تربية غير سوية كما هو متعارف عليه لدى اغلب هؤلاء، بل انهم قد يكونون اصحاب مكانة احتماعية مرموقة ومناصب قيادية بارزة او حتى ملوكا وزعماء مشهورين. وهذا بالضبط حال بطل قصتنا هذه المرة، الذي كان ذات يوم يعتلي عرش بلجيكا وتقلد الحكم لسنوات عديدة قام خلالها بارتكاب احد ابشع الجرائم التي عرفتها البشرية وكان سببا في ابادة شعب كامل لا لشيء الا لرغبة مجنونة في امتلاك السلطة والثروة على حساب اجساد الضعفاء والمقهورين.

في شبابه مع زوجته

انه (ليوبولد لويس فليب ماري فيكتور) المعروف باليوبولد الثاني ملك بلجيكا الذي ولد بتاريخ 19افريل 1835 في بروكسل وكان الابن الاكبر لأبيه الملك ليوبولد الاول وزوجته (ماري لويز) ملكة بلجيكا ، نشا ليوبولد الثاني في كنف اسرة ملكية صارمة حيث اتم تعليمه الاكاديمي وبدأ خدمته في الجيش البلجيكي ابتداء من سنة 1853 كما تزوج من (ماريا هنريتا) ابنة احد النبلاء النمساويين فانجب منها فتاتين وابنه الامير ليوبولد الثالث.

اعتلى ليوبولد الثاني العرش بعد وفاة والده في ديسمبر عام 1865 وبدء بذلك فصل دموي من التاريخ البلجيكي بقيادة هذا الملك السفاح.

فقد ادرك ليوبولد الثاني بمجرد توليه العرش انه لابد من تعزيز مكانته كملك لبلجيكا من خلال السيطرة على النزاعات الداخلية بين الاحزاب السياسية، كما ان نشوب الحرب بين جارتيه فرنسا والمانيا بين عامي (1870-1871) اقنعه بصعوبة الحفاظ على حياد بلجيكا مما دفعه الى تعزيز قدرات جيشه الدفاعية والعمل على ايجاد مصادر تمويل خارجية بما ان بلجيكا كانت دولة محدودة الموارد والامكانيات. فتوجه بانظاره الى قارة اسيا من اجل السيطرة على المزيد من الاراضي ولكنه اصطدم بالمد الاستعماري لكل من فرنسا وبريطانيا في تلك المناطق فحول اهتمامه الى قارة افريقيا وبالضبط الى حوض نهر الكونغو ، فقام بإنشاء جمعية خيرية سماها رابطة الكونغو الدولية وذلك سنة 1876، ولقد كانت الاهداف الظاهرية لهذه الرابطة هي اكتشاف المنطقة ومساعدة السكان المحليين الذين كانوا يعيشون حياة بدائية وكذا القيام باعمال تبشيرية ودينية، غير ان الهدف الحقيقي كان السيطرة على ثروات المنطقة والتي تمثلت بالاساس في الغابات الاستوائية المليئة بمادة المطاط والتي كانت تستخرج من هناك تزامنا مع ازدهار صناعة هذه المادة التي بدأ الطلب يزداد عليها لأستخدامها في صناعة جديدة ناشئة آنذاك , وهي صناعة اطارات السيارات , مما شكل بالنسبة لليوبولد الثاني مصدرا مهما لتحقيق الثروة.

وضع عينه على الكونغو في افريقيا

وفي خضم سعيه المحموم وراء السيطرة على منطقة الكونغو- تعرف اليوم باسم الكونغو برزافيل - ارتكب ليوبولد الثاني مجازر رهيبة في حق السكان الاصليين لتلك المناطق اذ قامت قواته باجبار عشرات الالاف من الافارقة على العمل في استخراج المطاط بنظام السخرة واستعبادهم بطرق غير انسانية من اجل تحقيق رغبات هذا الملك المجنون. اذ وثقت بعض المصادر التاريخية ان الرجال كانوا يرغمون على العمل لساعات طويلة وفي ظروف قاسية للغاية من اجل جمع مادة المطاط ومن لم يستطع تحصيل الكمية المطلوبة منه يتعرض الى بتر اطرافه وتشويه جهازه التناسلي عقوبة له على ذلك، بل كانوا يحتجزون عائلته ويقومون باغتصاب زوجته وبناته او حتى قتلهم في بعض الاحيان!!

يجبرون على العمل في جمع المطاط

وكانت الطريقة المستعملة في جمع المطاط من ابشع صور الاجرام التي عرفها العالم انذاك اذ كانت تلصق هذه المادة باجساد العبيد المساكين حتى تجف ثم يقومون بانتزاعها بالقوة وقد يصاحب ذلك نزع اجزاء من اللحم والشعر اثناء هذه العملية. أضف الى ذلك عمليات التعذيب والقتل العشوائي واغتصاب النساء والاطفال ومن يجرؤ على الاعتراض كان يتعرض للجلد بالسياط كما يذكر ذلك احد الجنود البلجكيين في مذكراته حيث يقول : "كنا نستخدم سوطا فرنسي الصنع تكفي ثلاثون جلدة منه ليفقد الشخص وعيه اما مئة جلدة فكانت تؤدي الى موت محقق".

كان يتم استعباد الناس بالجملة

لم يكتفي ليوبولد الثاني بكل هذه الفضائع من قتل وتنكيل بسكان الكونغو بل تمادى في استغلال جهل هؤلاء وسذاجتهم وقام بتقنين هذا الاستعباد والرق في شكل معاهدات ومواثيق وقعها مع زعماء القبائل فكانت بمثابة فرض استعمار اجباري على السكان المحليين ، ومما جاء في احدى تلك الاتفاقيات النص التالي :

"تضمن جمعية رابطة الكونغو الدولية و تلتزم بتوفير قطعة ملابس شهريا لكل زعماء القبائل في مقابل التزام هؤلاء بتوفير العمالة الضرورية من اجل اتمام المشاريع المتفق عليها من اعمال التعدين والنقل وللملك الحق في معاقبة كل المخالفين للقوانين المنظمة لسير الاعمال" _بتصرف_

تظهر هذه المعاهدة كيف يتجلى استغلال الانسان للانسان في ابشع صوره.

اب كونغولي ينظر بحسرة الى كفوف ابنته الصغيرة التي تم قطعها لأنها لم تجمع كمية كافية من المطاط

في عام1904 قام القنصل البريطاني بارسال احد مساعديه وكان يدعى (روجر كيسمنت) الى الكونغو لتقصي الحقائق اثر انتشار اخبار المجازر الرهيبة التي كانت ترتكب هناك فأعد هذا الاخير تقريرا اسودا عن فظاعة ما كان يجري في هذه المنطقة من افريقيا حيث جاء في تقريره ان عدد سكان الكونغو قد انخفض خلال عشرين سنة بنسبة 60 بالمائة ويرجع السبب الى عمليات القتل الممنهج وعزوف النساء عن انجاب اطفال سيتحولون الى عبيد حال ولادتهم.

اسس لامبراطورية من الاستعباد والرق ونهب ثروات الشعوب

وتقدر المصادر التاريخية ان عدد القتلى من السكان الكونغوليين خلال فترة حكم ليوبولد الثاني قد فاق العشرة ملايين انسان كان معظمهم من النساء والاطفال الابرياء ، نعم عزيزي القارئ لقد اباد هذا الطاغية شعبا كاملا حتى يشبع نزواته المريضة في حب السيطرة والتملك وصعود سلم المجد على اشلاء الضعفاء والمقهورين ، ومما يثير الاستياء والسخط في نفس الانسان هو اغفال التاريخ عن ذكر هذه الجرائم الوحشية في حق الانسانية، فاذا سالت احدهم عن اكثر مجرمي الحروب وحشية في تاريخ البشرية لاجابك بلا تردد انه الزعيم النازي هتلر او قائد الشيوعية ستالين او حتى السفاح المجنون موسيليني، لكن الكثير منا قد لا يعرف شيئا عن هذا الملك الدموي الذي قام بسلب حياة الملايين من البشر باسم الحضارة والانسانية المزعومة لكنه في الحقيقة كان سفاحا مريضا اسس لامبراطورية من الاستعباد والرق ونهب ثروات الشعوب.

خاتمة

يقال ان التاريخ يكتبه الاقوياء او المنتصرون لكن التاريخ الحقيقي يبقى راسخا في وجدان الشعوب التي عانت ويلات الاستعمار والقهر ، كما ان الحقيقة لابد وان ترى النور طالما وجد اشخاص اصحاب ضمائر حية يناضلون في سبيل كتابة الوقائع التاريخية بعيدا عن تزييف الاحداث تماما كما حصل مع قصة هذا الملك الذي سعى بشتى الطرق للتغطية على بشاعة الجرائم التي ارتكبها في حق شعوب لاحول لها ولا قوة.

ليبولد الثاني .. ميتا ..

وتجدر الاشارة اخيرا الى ان ليوبولد الثاني قام بارتكاب جرائمه في دولة الكونغو من دون ان تطأ قدمه تلك الارض ولو مرة واحدة، كما تقدر بعض المصادر ان ثروته قد بلغت حوالي 500 مليون دولار تقريبا وهي ثروة ضخمة بمقاييس تلك الفترة لكنه ترك هذه الدنيا في احد ايام السابع عشر من ديسمبر سنة 1909 دون ان يأخذ معه دولارا واحدا بل اخذ معه تاريخا حافلا من سفك الدماء واستعباد الشعوب، فإلى جهنم وبئس المصير.

مصادر :

- ليوبولد الثاني ملك بلجيكا - ويكيبيديا الموسوعة الحرة

- قتل أكثر من 10 ملايين إفريقي.. المسكوت عنه في تاريخ "هتلر بلجيكا"

- قصة ملك سقط من التاريخ: تسبب في مقتل 10 ملايين شخص بحثًا عن مجد شخصي

تاريخ النشر : 2017-11-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر