الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

سائق عربة الكونتيسة ذات الرداء الأزرق - ج 2

بقلم : فاطمة مرار - القطيف

أدرك إيميل من خلال الحوار الذي جرى بين إيملي و آن ماري بعدم جدوى حبهما

الصديقتان العدوتان :

علمت السيدة سالي بقصة ابنها مع إيملي فحاولت ثنيه عنها و أغرته بتزويجه من فتاة يضاهي جمالها القمر ، لكنه أبى التراجع و قال لها : سأقابل والدها عند عودته من السفر كما وعدتها و ليحدث ما يحدث .
كاد يتوقف قلب الأم : لا أرجوك ابتعد عن تلك الأسرة ... ، تظاهر إيميل بالموافقة مراعاةً لوضع أمه الصحي لكنه عقد العزم على نيته الأولى .

الجدير بالذكر أنه في تلك الفترة تعرض إيميل لهجوم كل يوم تقريباً من قبل مجهول ، و كاد يتعرض للدهس بالعربة مرتين و تلقت أمه رسالة تهديد جعلتها في وضع صحي حرج .
أما الكونتيسة إيملي بيل فقد استماتت في سبيل إقناع إيملي بالعدول عن فكرتها جربت الترغيب و الترهيب لكن لم تنجح ، و حاولت إبعاد إيميل ففشلت ، عندها قررت طلب المساعدة من صديقتها و عدوتها في آن معاً رغم ما بينهما من خلاف قديم حيث تذكرت تلك اللحظة :

الكونتيسة إيملي بيل (تتمايل بسمنتها وضخامتها مرتديةً معطف من فرو الدب) : الموضة الرائجة الآن هي الأزياء المصنوعة من فرو الدب و مازلت ترتدين الحرير الأزرق يا أم شبر .
فردت الكونتيسة روز ماري بتهكم : لا يعجبني فراؤك أيتها الدبة ، و طولي طبيعي .
الكونتيسة إيملي بيل تضحك بشر : هلا وقفت على الكرسي كي أسمعك و أراك .
رغم الخلاف ذهبت إلى الكونتيسة تطلب النجدة و قالت : أرجوك أبعدي سائقك الأحمق عن ابنتي .
فردت الكونتيسة مدافعة : ابنتك من شجعته ؛ لذا حلي المشكلة معها وديًا .
إيملي بيل : حاولت معها هي الآن مضربة عن الطعام و قد هددتني بالهرب مع إيميل في حال لم نوافق أنا و والدها على زواجهما .
روزماري : جيد اقتربت من الحل .
إيملي بيل : ...
روزماري : ابنتك مدللة لم تخْبر حياة الفقر والجوع امتناعها عن الطعام سيجعلها تفكر جيداً ؛ لذا ناقشيها في هذه النقطة و أخبريها بالحقيقة .


إيملي بيل مرعوبة : أية حقيقة أنا لا أخفي شيئاً .
روز ماري (تمشي واضعة يدها خلف ظهرها) : أعرف أن لكل شخص أسرار يخفيها ، لكنه قد يضطر لكشفها ، في تلك اللحظة الأفضل أن يقول الحقيقة مرة واحدة و يرتاح من أن يكذب و يتبع الكذب بالكذب و يبقى هارباً من الحقيقة التي ستنقذه ، اختاري الحقيقة التي ستقولينها بعناية ، آه نسيت إخبارك إيميل لا يستطيع الهرب مع ابنتك لأن أسرته بحاجته .
إيملي بيل بارتياح : حسناً شكراً لك ، و ماذا أفعل إن عاد إيميل .
روز ماري : اقنعي ابنتك و أنا سأقنع سائقي (وجهت لها مسدساً) و ابتعدي عن إيميل و أسرته يا أم الإيميلات و إلا .
إيملي بيل بخوف : أمرك حاضر (كادت تقع و هي تجري من الخوف) .
روز ماري تصرخ : استدعوا لي السائق إيميل .


دخل إيميل مدهوشاً (لأنه شاهد تلك الكونتيسة تجري) قال : سيدتي الكونتيسة .
روزماري : أود أن أعرف قصتك مع الآنسة إيملي .
فحكى لها القصة بدايةً من لوحة (العصافير) إلى لقائه بأم إيملي .
روزماري في نفسها (كما توقعت) فقالت : هل تعلم أنك مرفوض لدى عائلة إيملي .
إيميل : نعم .
روزماري : أتعلم أنك لو تزوجتها حقاً فستقاطعها عائلتها و لن يعطوها فلساً واحداً .
إيميل : أعلم هددوني بذلك مسبقاً لكني لا أهتم للمال بعد الذي عشته .
روزماري : و كيف ستنفق على الفتاة المترفة و أمك و أختك .
إيميل : من عملي سائق لعربتك ، و سأجمع مبلغاً جيداً و أفتتح مقهى مستقبلاً .
روزماري : من قال لك أنني سأبقيك سائقاً عندي ، أنا لا أريد إثارة المشكلات مع تلك الأسرة ، و لا أرغب بسائق تنتشر حوله الشائعات ، ها ماذا قررت ؟


سكت إيميل فترة ثم أجاب : غيرت رأيي سيدتي ، سأبتعد عن الآنسة إيملي كما تريدين ، لكن لا أعرف كيف سأشرح لها الأمر .
روزماري : لا تقلق أمها ستقنعها و الأفضل ألا تتقابلا بعد الآن ، خذ هذا المبلغ لعلاج سالي و رعاية ماريون ، و لا تخف ممن يطاردونك فقد تدبرت الأمر .
إيميل متعجباً : كيف علمتي سيدتي ؟
روزماري : لدي مصادري الخاصة ، هيا اذهب .


قصة الساحرة ماريسال :

في تلك اللحظة كانت الكونتيسة الأخرى و ابنتها تتحدثان .
الكونتيسة : لا تستطيعين تحمل الجوع يوماً واحداً فكيف ستتزوجين ذاك الفقير .
إيملي باكية : لا أعرف لكني أحبه .
الكونتيسة : عنيدة يبدو أن علي إخبارك بقصة تلك الساحرة .
إيملي : ما علاقة ذلك بي أنا و إيميل .
الكونتيسة : إيميل الذي تحبينه و تدافعين عنه جاء في الحقيقة كي ينتقم منا (إيملي مندهشة) القصة بدأت عندما كنت للتو متزوجة بوالدك يومها كان له أخ يدعى إيميل و يسكنان مع والدهما ، في تلك الفترة فتحنا على أنفسنا أبواب جهنم بتشغيل خادمة جديدة اسمها (ماريسال) لكننا صرنا نناديها سالي اختصاراً للاسم و لوجود خادمة أخرى تدعى ماري ، المهم سحرت الخادمة إيميل فتزوجها و ...


إيملي مقاطعة : لحظة كيف عرفتم أنها ساحرة .
الكونتيسة : كان الكونت إيميل خاطباً الآنسة كاثرين الجميلة و الثرية ، لكنه تركها بعد وصول الخادمة الأقل منها جمالاً و المعدمة ، نعم تركها و تزوج بماريسال بعد أن سحرته ، متخلياً عن اللقب و الثروة و أسرته بعد أن خيره والده ، هاجر أسرته و لم نسمع عنه شيئاً بعدها ، لاحقاً أخبرني والدك بأن خالة ماريسال علمتها القراءة و الكتابة والسحر و أن تلك الخالة سحرت رجلاً ثرياً بعمر والدها فتزوجته ، بعد فترة توفي والد زوجي بطريقة غريبة ثم وصلتنا رسالة بأن إيميل قد مات و تطلب من والدك الحضور لتقسيم الإرث ، و لدى وصول والدك خاب أمله عندما علم أن الإرث لم يكن كبيراً كما تخيله ، و الأدهى والأمر أن زوجة إيميل و ولده و بناته من ضمن الورثة ؛ فبذل إيملاي جهده في إبعادهم عن الإرث لعلمه أن ماريسال مجرد خادمة و ساحرة ، ثم اختفوا و لم نسمع عنهم شيئاً 


بعدها حدثت لنا أمور عجيبة فإيملاي أخوك الأكبر قتله أحدهم رمياً بالرصاص ، و إيميليو أخوك الثاني دهسته عربة فأصبح مشلولاً ، و إيميليا سرقتنا و هربت مع بحار ، و أبوك صار أسير الكوابيس و تم بتر ساقيه بسبب المرض ، و أخيراً أصبت يا صغيرتي إيمي بحروق في ساقيك (نظرت إيملي لساقيها) ، فخفت و ترجيت والدك أن ننتقل من هذا البيت المسحور ، ففاجأني بقوله (غبية هل تصدقين هذه القصص) لكني أصررت و نكدت عليه حتى وافق فانتقلنا إلى هذه المدينة ، و بعد عشر سنين عندما كنا في زيارة للسيد بلاك جاك علمنا من بعض الأشخاص أن فتى يدعى إيميل سحر سيده لقسوته عليه ، و بعد أن تعرفت على الفتى أخبرت السيد وزوجته بقصة ماريسال ثم غادرت الريف و لم أعلم ما جرى بعدها ، لكن يبدو أن إيميل عرف مكاننا و عاد للانتقام .


إيملي : معناه أننا أبناء عم ! لكن لقب أسرة إيميل مختلف عن لقبنا !
الكونتيسة : نعم نسيت إخبارك لقد غير إيميل الأب لقبه بطلب من والده .
إيملي : حسناً أمي سأفكر بالأمر ، على كل حال لا أعتقد أن إيميل و أمه ساحران فلو كانا كذلك لانتشلا نفسهما من حالة الفقر .
الكونتيسة : حسناً فكري جيداً و أنت ممنوعة من الطعام حتى الغد .


إيملي مصدومة :

فكرت إيملي هل حقاً عاد إيميل للانتقام و في نفس الليلة حلمت أن والدها و إيميل يتقاتلان ، فاستيقظت مرعوبة ، و في صباح ذلك اليوم دعت صديقتها آن ماري لشرب الشاي و من شدة الجوع لم تنتبه إلى أنها تناولت خمس قطع من الكعك بسرعة ، فابتسمت لها آن ماري ضاحكة .

حدثتها إيملي قليلاً ثم سألت : علمت من والدتي بخلاف وقع بين والدي و والد إيميل فهل تعتقدين أن إيميل يدعي حبي لكي ينتقم لوالده .
فصرخت آن ماري : مستحيل (حدقت بها إيملي متعجبة) فاستدركت : أ أقصد إذا كنت تشكين به فلم فتحت له الباب منذ البداية ؟ اتركيه يرحل بسلام ما دمت تشكين به ، ولتعلمي أن أمي ستطرده من العمل إن تزوجك ، و مادمت قد تخسرين والدك و إيميل فالأفضل ألا تتزوجا ، أنا ذاهبة .


فكرت إيملي و قالت بحزن : معك حق أحب والدي و إيميل لكن لا أستطيع الجمع بينهما ، إذًا فليرحل إيميل في سلام ، سأتزوج إذا من إدوارد .


تركتها آن ماري دون وداع و عادت للعربة حيث أخبرت أمها و إيميل اللذين ينتظرانها بما جرى ، فقالت الكونتيسة مفتخرة : جميلة و ذكية كأمك لقد نجحت الخطة ، سمعت إيميل ؟
فرد إيميل : لقد سمعتهما شخصياً سيدتي (ثم انطلق بالعربة)


أدرك إيميل من خلال الحوار الذي جرى بين إيملي و آن ماري بعدم جدوى حبهما ؛ فإيملي هي ابنة إيملاي عمه الشرير الذي فعل بهم الأفاعيل كما أخبرته والدته عندما سألها ، قد تكون إيملي بريئة من جرائم والدها ، لكنه لا يستطيع النوم على سرير واحد مع ابنة عدوه حتى لو لم يكن يحقد عليها ، كما أنها تعتقد بأنه يستغلها كي ينتقم ، إذا فقد نبض قلبه للشخص الخطأ ، و كل ما يفكر به الآن هي أمه المريضة في المستشفى و أخته المقعدة .


أما إيملي فقد أقنعت نفسها أخيراً بأن إيميل حتى لو كان يحبها (و هذا مشكوك به) فلا بد أن تشتعل الحرب بينه و بين والدها و هي لا ترغب بخسارتهما ؛ لذا استسلمت و بمجرد عودة والدها من السفر أخبرته بموافقتها على إدوارد ، و أخفت بمساعدة أمها أمر إيميل ، فتم إعلان خطبتها من اللورد إدوارد بسرعة تحت إلحاح والدة إيميلي و والدة الخطيب ، و لا نبالغ إذا قلنا أن اللورد إدوارد ساعد إيملي على تقبل واقعها بما وهبها من حب و هدايا مقارنةً بإيميل الذي لم يأخذ فرصته فألقت الفتاة مراسيها عنده آمنة مطمئنة .


بالنسبة لآن ماري فقد شعرت بالذنب و تابت إلى الله ، و بعد خجل و تردد طويلين اعترفت لإيملي بقصة الرسالة كأنها تعتذر نيابة عن شخص آخر ، ففاجأها رد إيملي : (لا بأس إيميل لم يكن مناسباً لي ، و أنا مسرورة لارتباطي بإدوارد) ، بعدها حاولت الاعتذار من إيميل لكنها لم تستطع فوجدت حلا آخر ، ففي إحدى زياراتها للمستشفى قابلت السيدة سالي فحدثتها بقصة الرسالة طالبة العفو ، وأن تتوسط لها عند إيميل ففاجأها رد السيدة : سامحتك بنيتي ، توبتك واعترافك دليلان على طيبتك و لابد أنها مجرد لحظة طيش ، في الحقيقة أود شكرك فالرسالة دفعت عن أسرتنا شراً كان سيقع ، وبالنسبة لإيميل فسأخبره بالقصة و لا داعي لذكر اسمك ، صحيح بنيتي هل يمكنني أن أطلب منك طلباً ...


و تكلم الناس بصدمة حول الموضوع ، و كلما شاهدوا إيميل يقود العربة تهامسوا فيما بينهم فأحدهم قال غاضباً : ثلاثة أسابيع و نحن نتابع قصة حبهما و فجأة تبين أنها إشاعة ، و قال آخر : ربما تركها لأنه يئس من حصولها على ثروة أو تم تهديده ، و قال شخص جائع : ربما أدرك أن الحب لا يصنع الخبز ، و ذات مرة سألت أليسا أختَ خطيبها (آن ماري) عن القصة فردت الأخيرة : لا أعلم التفاصيل لكن من يحب العصافير يدعها تطير ، و من يحب الورد لا ينزعه من التربة ، و في ذلك الوقت بينما آن ماري تسقي الورود على شرفتها سمعت خادمتين تتحدثان بسوء عن إيميل و إيملي فسكبت عليهما دلواً من السماد .


وسط الظلام تلمع النجوم :

في ذلك اليوم المطير توفيت السيدة ماريسال المعروفة بسالي بعد صراع طويل مع المرض و الخوف فارتاحت أخيراً ، و قد حضر قلة دفنها : كنزها الوحيد (إيميل و ماريون) ، و جارتهم التي رعت ماريون في الفترة الأخيرة ، و الآنسة آن ماري و خادمتها ، و أنور البستاني الذي حفر القبر
، بعد انتهائهم من مراسم الدفن صعد الجميع للعربة عدا الجارة ، فطلبت آن ماري من أنور البستاني قيادة العربة (كي يتسنى لإيميل التحدث مع ماريون قبل أن يفترقا) .


في الطريق كان الأخوان المفجوعان ساكتين من الحزن ، أخيراً قالت ماريون و هي تبكي : لا أصدق أن أمي ماتت .
(لم يعرف إيميل ماذا يقول) فردت آن ماري بدله : أسكنها الله فسيح جناته ، صحيح أن رحيلها محزن لكن تذكرا أنها عند رب رحيم ، و ستكون أسعد حين تكونان بخير .
فقال إيميل : مسكينة أمي لطالما عشنا مظلومين هاربين لأننا لم نعجب البعض .
بعدها قالت ماريون : إيميل لماذا لم تحضر صديقتي إيملي .
شحب وجه إيميل فردت آن ماري محاولةً إخفاء دموعها : سافرت إيملي في رحلة طويلة و لا أعلم متى ستعود ، لكن إيميل سيحاول زيارتك قدر الإمكان ، و ستتعرفين على صديقات جدد في غرفتك (كذبت بشأن إيملي لأنها لا تستطيع القول بأن إيملي لا تود رؤيتهما كي لا تضعف وأنها بدأت تحب إدوارد و سيتزوجان قريباً) .

بعدها لاحظ إيميل بطء العربة فنظر من النافذة و قال في نفسه : (ليت الطريق يمتد إلى ما لا نهاية) ، لكنهم وصلوا على أية حال فحمل أخته بمساعدة الخادمة إلى (المستشفى الخيري) و أرشدته ممرضة إلى غرفة ماريون ، حيث هناك ستسكن مع تسع بنات متقاربات في العمر مختلفات الحالة ، وضعها على السرير و ودّعها لكن ماريون بكت و تعلقت به بشدة : أنت كل ما تبقى لي خذني معك .

أشفق عليها إيميل لكنه لا يستطيع رعايتها فقال : الله معك ، سأحاول زيارتك كل مساء ، كوني قوية و لطيفة التعامل فأنت في السادسة عشر ، و غدا سأحضر لك مفاجأة (بكيا قليلاً حتى هدأت فودعها و انصرف) .

صعد داخل العربة ناسيا أن عليه قيادتها و لم تكلمه آن ماري في ذلك ، و بعد قليل شاهدت آثار دموع الفراق عليه ، أشفقت عليه فقالت بعد برهة : لا بأس سيد إيميل "كل صغير يكبر مع الوقت إلا الحزن فإنه يبدأ كبيراً و يصغر مع الوقت"

انتبه إيميل أخيراً بأنه لا يقود العربة و أنه لم يمسح دموعه فقال : ماذا .. أين أنا ؟ آه أنا أفكر الآن كيف سأعود للبيت و لا أرى أحداً ؟ و كيف سأوفق بين ماريون و عملي و البيت ؟
فردت عليه : أجر البيت ؟ (اندهش) فأكملت : عليك أن تعمل من أجلك و من أجل ماريون و العناية بالبيت عبء إضافي يمكنك تأجيره للحصول على مال أكثر .
إيميل : لكن يا آنسة لا أستطيع رؤية غرباء في البيت الذي جمعني بأمي و أختي .
فردت : لما لا تعمل عامل اسطبل لدى أمي بالإضافة إلى عملك سائقاً مقابل الطعام و السكن ؟


سكت إيميل و أوقف العربة ليأخذ مكان أنور البستاني ، و في الليل عندما هم بالنوم تذكر : غبي لماذا لم أشكرها ؟ ! لكن لما هي لطيفة معنا (فكر قليلاً و استنتج) يبدو أن خالتي أخبرتها بصلة قرابتنا ، على كل حال كلامها صحيح بشأن البيت (تذكر بعد لحظة) تباً لم أشكر خالتي على مساعدتها .

أما آن ماري فقد بكت من تصرف إيميل معها فهي كانت تحاول مساعدتهما رغم أنها لم تعلم بعد بصلة قرابتهما ، ثم صلّت فشعرت أخيراً بالراحة و قالت في نفسها : ساعده الله ، المصيبة أنسته نفسه ، و لحسن حظنا أنه لم يقد العربة (مع ذلك بقيت مستاءة قليلاً ) .


بالنسبة لماريون فقد بقيت صامتة من الحزن و حاولت بعض البنات مواساتها رغم أنهن لا يعرفنها و لا يعرفن مشكلتها ؛ لكنها القلوب الطيبة التي تهب الخير للجميع ، شكرتهن ماريون و طلبت منهن تركها وحيدة ، و عندما حل وقت النوم نامت البنات إلا ماريون ، و فجأة فتحت الباب الممرضة المناوبة و قالت : لقد حل وقت النوم يا آنسة هل من خطب ما ؟
ردت ماريون : لا دعيني وحدي يا آنسة أ ...
فأجابت الممرضة : السيدة ماريان جلكسي .
و لكم أن تتخيلوا ما جرى عند التقاء الأختين ؛ فهناك مواقف لا تستطيع وصفها الكلمات .


الحياة تعود من جديد :

اجتمع شمل الإخوة من جديد و أخبرتهم ماريان بأنها عندما عادت مع أسرتها للوطن لم تجدهم في القرية لكنها وجدت بيتهم محترقاً ففرت دون أن تلتفت للخلف و اعتقدت أنهم قضوا نحبهم حرقاً ، فاستقرت مع أسرتها هنا و بعد أن تزوج الأولاد و مات زوجها عملت في المستشفى و تطوعت في مناوبات ليلية لتمضية الوقت .


فرح الأخوان بلقاء أختهم و أولادها و أحفادها خاصة ماريون التي أصبحت تختلط بالبنات أكثر و عادت للرسم و قد تعلمت من خلال حديثها مع البنات بأنها مهما كانت تعاني فهناك من يعاني أكثر ، أما إيميل فقد بات مرتاحاً أكثر على مصير ماريون ، فماريان تعمل في المستشفى و تسكن فيه و قليلاً ما تأخذ إجازة لتزور أولادها ، و لم ينغِّص راحته سوى سؤال أخته عن إيملي ، لاحقاً استطاع العمل منظفاً في اسطبل خيل الكونتيسة مقابل السكن و الطعام إضافةً لعمله سائقاً براتب ، فأجر البيت ، و حاول الاعتذار من آن ماري لكن كبرياءه منعه !


و كانت الأيام التالية حافلة بالكثير فقد صارت آن ماري ترافق خطيبات أخوتها كثيراً في رحلات بالعربة ، و لاحقاً عاد أخوتها الأربعة من السفر فرأى إيميل لأول مرة دموع الكونتيسة المسرورة و الفخورة بأولادها الذين أنهوا دراستهم بالخارج و قالت لهم : لو كان والدكم الحبيب موجوداً لكان فخوراً بكم ، أنتم الآن مستعدون لإدارة أعماله ، و أود أن نفرح بكم في أسرع وقت .
و هكذا تزوج الأخوة الأربعة في نفس اليوم (ليونيل من أليسا ، ليوناردو من بينكيبونتي ، ليون من يولندا ، ليونيلو من مريم) و كان يوماً سعيداً لم ينغصه إلا سؤال النسوة الفضوليات للكونتيسة و ابنتها : (لماذا لم تتزوج الآنسة آن ماري بعد) فانصرفت آن ماري عنهن غاضبة قائلة في نفسها : (لا شأن لكن يكفي ما أعانيه لو لا ألسنتكم السامة لتزوجت ممن أحب ، أو عشت عذراء محترمة) .
أما أمها فردت عليهن : ألديكن عريساً ؟ (ألجمهن الرد) فتابعت : من الأفضل أن تبقى ابنتي عانساً على أن تكون حماتها إحداكن هاهاها ( و هكذا فازت الكونتيسة بعضلات لسانها ، فخرجت النسوة شاعرات بالإهانة) .


و في اليوم التالي حضرت الكونتيسة و أسرتها حفل زفاف إيملي من اللورد إدوارد تلك العصفورة التي تركها إيميل تطير لأنه لا يستطيع احتوائها فترك غيره يحتويها ، و كانت قد استطاعت نسيان إيميل بصعوبة و أحبت إدوارد حقاً ، أما إيميل فقد كان يتمشى حول القصر من شدة البرد و هو
يفكر : حياتنا فصول و يبدو أنها لم تُكتب في فصلي ، أغبطها حقا ؛ لأنها استطاعت نسياني و متابعة حياتها .


عاد الميت :

و في الليلة نفسها في قصر والد إيملي بعد أن نام الجميع كان رجلان يدخنان و يتحدثان :
إيملاي : هل أنت متأكد ؟ هل رأيته ؟
كارل : لم أره لكن الجاسوسة التي عينتها بأمرك قالت بأن رجلاً قد حضر ليسأل عن ابنتك إيملي ، و لما سألته الكونتيسة زوجتك عن اسمه قال بأنه (إيميل جلكسي) هذا كل ما تمكنت الجاسوسة من سماعه و قد أغمي على الكونتيسة ، و لاحقاً أمرت بعض رجالك بقتله ، لكن الغريب أنها بعد فترة تراجعت .

إيملاي مقاطعاً : إيمي صغيرتي في خطر ، لا شك أن خبر موت أخي كان شائعة وأنه عاد لينتقم و يسترد أمواله التي سرقتها مني إيميليا ، جيدٌ أن صغيرتي تزوجت من اللورد .
كارل : سيكون موقفك حرجاً إذا قرر مواجهتك ، عندها سيسلبك أموالك بقوة القانون و سيطيح بسمعتك ، خاصة أنك استوليت على أمواله بطرق غير مشروعة .
إيملاي : اصمت فنحن شريكان أيها القاضي ، إن أكثر ما يخيفني الآن هي إيملي بيل ؛ فتركها إيميل ينجو و هي التي سعت لقتله ، ثم إخفاؤها الأمر عني يدل على شيء واحد : تلك السمينة متآمرة مع أخي ، لكنني لن أدع لهما الفرصة (فأطلق سحابة دخانية كثيفة) اذهب الآن (انصرف كارل) ثم أشار الكونت إيملاي لخادمه الأصم الأبكم فحمله الأخير لغرفته و هناك خطرت على باله أفكار كثيرة لكن لم يخطر باله أن أخاه إيميل قد سمى ولده باسمه ؛ جرياً على عادة أسرته و إن كان قد غير لقبه .


في اليوم التالي ودعت إيملي والديها بقلب منفطر ، فجعل والدها يخفف عنها : سيعتني بك اللورد و يسافر معك لأنحاء العالم إنه حلمك فنانتي إيمي (فودعتهما أخيراً و صعدت إلى السفينة) .
و في تلك الليلة أيقظ إيملاي ابنه إيميليو بمنتصف الليل: إيميلو يجب أن تشرب الدواء .
فنهض الابن و هو نصف نائم و شرب من كأس أعطاه إياه والده فقال و هو يعود لنومه : شكرا أبي ، طعم الدواء لذيذ اليوم .
فقال إيملاي ضاحكاً : يسرني أنه قد أعجبك (ثم أشار لخادمه فحمله الأخير لغرفته الخاصة حيث صار ينام منفصلاً عن زوجته)
هناك استلقى على سريره قائلاً : ها أنا قادم إيميليو (ضحك طويلا ثم شرب بقية العصير) .
و في الصباح سمع الناس أصوات صراخ من قصر الكونت إيملاي ، و سرعانما انتشر خبر موت إيملاي و ابنه ، وبعد أن فحصهما الطبيب استنتج أن موتهما طبيعي .


و تم دفنهما في مقابر الأسرة دون أن يبكي أحد الكونت إيملاي و يذكر عنه خيراً ، عكس إيميليو الذي بكاه البعض خاصة أمه ، إيميليو المسكين الذي خاف والده من شبح الإفلاس فقرر أخذه معه للعالم الآخر ؛ انتقاماً من زوجته الخائنة و قد نجح ، فها هي تذرف الدموع على فلذة كبدها الذي لم تشعر به و هو حي ، لكنها الآن تشعر به و بشعور أسر الضحايا الذين ساعدت زوجها في التخلص منهم ، لكن مهلاً هل توقف انتقامه عند هذا الحد ؟
لا ، فعند تقسيم الإرث اكتشفت الكونتيسة أن زوجها حذفها من الوصية ، أخيراً أصيبت بالكآبة و اعتزلت الناس رغم ثروتها ، و لم تنجح ابنتها في إخراجها من كآبتها .


أما إيميل فلم يضحك شامتاً من موت عدوه كما توقع ، لكن أخيراً ذهب عنه الخوف من عودة عدو قديم ، و صار يخطط لمستقبله بعقل و حرية أكبر .


القهوة بالحليب تقول الكثير :

هذا الصباح ودع إيميل جميع العاملين لدى الكونتيسة و أعطاهم بعض الحلوى و هم أوصوه ألا يحمل الضغينة للكونتيسة ، ثم قابل الكونتيسة ليستلم راتبه آخر مرة ، أعطته الكونتيسة راتبه مع نقود لماريون و قالت : أرجو أنك لا تحمل لنا الضغينة .
استغرب إيميل : لا خالتي أقصد سيدتي أنا أحترمك بشدة و قد كنت خير عون لنا أنت و ابنتك ،و أنا سررت بالعمل لديك شكراً جزيلاً ، لكن قد آن للعصفور أن يطير (نظرت له بحدة قبل أن يقلبها قصيدة ) فقال : حسناً سأختصر لقد تحقق حلم مشروع المقهى و سأعمل به ، (فمد لها بطاقة) و أرجو أن تزورينا سيدتي مع أسرتك في بيتنا و مقهانا .

لم تعرف الكونتيسة بماذا ترد فقد شعرت منذ فترة قريبة بالميل لإيميل و أخته لكنها خافت أن تظهر مشاعرها ، و ها قد تبين لها أنه لا يحمل لها إلا الخير ، أخيراً ردت متظاهرة بالبرود : لا داعي لذلك ، فعلت هذا لأنه واجبي اتجاه أقربائي ، على كل حال أنا كبيرة على القهوة والحلويات .
قال إيميل محاولاً مد جسور المحبة بينهما : لا خالتي تبدين شابة و نحن شاكرون لك حقاً ، تذكري كلما رغبتم بالقهوة و الحلوى فمحلي موجود .
سكت قليلاً ثم قال : هل حقاً تعتبريننا أنا و أختاي من الأسرة .
ردت الكونتيسة : بالطبع يا ابن سالي ، و سأخبر ابنتي و أولادي قريباً بالسر .
إيميل : و هل تعرفين بأني ابن الكونت إيميل جلكسي الذي هو في الأصل من أسرة إيفونين .
الكونتيسة : طبعاً عرفنا ذلك بسبب قضيتك مع اللوردة إيملي .
إيميل بحماس : و لو أردت أن أكون أقرب لكم فهل ستوافقين ؟
الكونتيسة بحدة : ما هذا أنت ذاهب للعمل في مقهى أم لتشارك في الحرب ؟ أنت قريبنا و كفى .

أراد إيميل الضحك لكنه أمسك نفسه : شكراً مجددا سيدتي ، سأتكلم معك لاحقاً في موضوع خاص بعد أن تخبري أولادك بالسر ، في أمان الله .
بعد أن ذهب قالت الكونتيسة في نفسها : إنه طيب و غريب الأطوار في نفس الوقت أتمنى لو كنت ألطف معه لكن لا يمكنني .

 

أما إيميل فقد التقى بآن ماري في الحديقة ليرد إليها كتاباً فقالت له : أتمنى لك التوفيق سيد إيميل ، و أرجو ألا تحمل الضغينة لوالدتي فهي طيبة .
إيميل متعجباً : بالله عليكم لما تعتقدون أني أحمل الضغينة للكونتيسة و أنا ممتن لها .
آن ماري بارتباك : حسناً مسرورة لذلك ، كيف حال أختيك ؟
إيميل : بخير والحمد لله ، و تدعوانك لزيارة بيتنا آنستي ، (أخرج علبة قهوة مطحونة) أرجو أن تقبلي هديتي المتواضعة أنت و والدتك الكونتيسة ، ستكون ألذ مع الحليب .

خجلت آن ماري و قبلت الهدية فسألها : آنسة ما رأيك بي ؟
فردت بحياء : كما ترى والدتي بأنك ذو أخلاق عالية و دين .
إيميل : آنسة تذكرين عندما كانت أمي في المستشفى و ذات مرة ذهبت لإيصال تبرعات والدتك الكونتيسة فتحدثتما ، ماذا قالت لك حينها ؟
زاد خفقان قلبها و حياؤها فردت : أن أقف بجانبك .
إيميل : حسناً لندخل في الموضوع أنا شاب كادح في الحادية والعشرين أعيش مع أختي المقعدة و مدبرة منزلية تدعى كاترين في بيت صغير و بدأت العمل في محل القهوة والحلويات ، لا أملك ما أهبه لك سوى قلبي فلو تقدمت لك (ارتبك) أعني هل تقبلين .
سكتت و أومأت برأسها و كان سكوتها علامة رضاها .


مفاجأة يوم الجمعة :

لم يطل الوقت حتى أخبرت الكونتيسة ابنتها و أولادها بصلة قرابتهم مع إيميل و كم تفاجؤوا لمعرفتهم بأن والدتهم في الحقيقة من العامة ، لكن لم يكن ذلك مهما بالنسبة لهم ما داموا يحبونها ، و بالنسبة لآن ماري فقد استبشرت خيراً بهذه القرابة و انتظرت يوم الجمعة بسعادة و توتر في نفس الوقت حيث سيجتمعون لأول مرة كعائلة ، و هذا ما حصل فقد زارهم إيميل مع أختيه فرحبوا بهم لكن الجميع وجدوا صعوبة في التحدث بعفوية ، و أخيراً قال إيميل بصعوبة :
سيدتي الكونتيسة لا أقصد خالتي ، أود أن أطلب يد ابنتكم الغالية .

احمر و جه آن ماري فأخفته بيديها، و وقف إخوتها ، بينما صاحت الكونتيسة : ماذا تقول ؟ !
أعاد إيميل : أود طلب يد الآنسة آن ماري .
فرد ليونيل : هل جننت ؟! صحيح أنك من أقاربنا لكنك من العامة .
و أكمل ليوناردو : و إذا تزوجتما ستخسر أختنا الصغيرة اللقب والثروة ، لا يمكن أن نسمح بذلك .
همست ماريان لإيميل (أرأيت ؟) لكنه تجاهلها و قال : أنا لم أطلب شيئاً حراماً ، صحيح أنني رجل كادح من العامة لكني عامل و متدين و أحب آن ماري ، ثم لا تنسوا بأن والدي في الأساس كونت من أسرة إيفونين النبيلة .


نظر الأخوة فيما بينهم و أخيراً رد ليونيل : سيد إيميل نحن لا نود إهانتك لكن أمي أخبرتنا بأن أباك قد تخلى عن لقبه و اسم أسرته ليتزوج بأمك ، و أنت الآن من أسرة جلكسي ، لا تفهمني خطأً نحن نتشرف بكم و إلا لأخفينا أمر قرابتنا ، لكن لا يمكن أن تمتد علاقتنا أكثر من ذلك .
أراد إيميل الاحتجاج لكن ليون قاطعه : لا تحتج بأن والدتنا من العامة فهي بزواجها من والدي صارت جزءاً من أسرته و حصلت على اللقب و الثروة .


لم يعد لإيميل ما يحتج به فتعلق بآخر قشة قائلاً : لكن إذا قبلتني آن ماري و لم تجدوا عيباً في أخلاقي و ديني فواجبكم عندها أن تدعمونا و لا تقفوا في وجه سعادتنا .
عنده تحولت الأنظار لآن ماري الخجولة الصامتة و خاطبتها أمها : أهذا صحيح ؟ ألهذا كنت كثيرة السرحان ، قليلة الأكل و الكلام هذه الفترة .
ردت آن ماري بصوت خافت : أجل أمي .
فقال ليونيلو : و ماذا عن اللقب و الثروة و المكانة ؟ ستخسرينها لو تزوجته .
أدركت آن ماري أن أخوتها يقولون ذلك لمصلحتها لكنها تحب إيميل أيضا فقالت : أعلم أنكم تخافون علي لأنني الصغرى ، لكني كبرت و أرجو أن تحترموا قراري ، أنا لا أهتم للقب كثيراً ، و بالنسبة للمال فالله سيرزقنا ، و يكفيني أننا سنبقى أسرة حتى لو تزوجت ممن لا يرضاه المجتمع الأرستقراطي .

أخيراً قالت الكونتيسة منهية النقاش : كفى انتهى لقاؤنا ، سنتكلم في الموضوع لاحقاً عندما أطلب منكم ذلك ، فلينصرف الجميع .


في بيت إيلي :

ضاق صدر إيميل فباح بهمومه لصديقه و شريكه بالمحل إيلي فرد عليه الأخير : أنا لا ألومهم ، لكني لا أفهم لماذا أحببتها من بين كل البنات ؟

تردد إيميل ثم أجاب : لا أعلم ، في البداية أحببت إيملي لطيبتها و مرحها لكن علاقتنا انتهت بسرعة كما تعلم ، ثم أحببت آن ماري لأخلاقها و وفائها و ربما لمساعدتها لي كما أعجبني غموضها ، لكن يبدو أن الظروف ستفرقنا ، لست محظوظا يا إيلي .
رد إيلي مشجعاً : لا تستسلم إيميل ، إنها تحبك و قد واجهت أسرتها لأجلك ، توكل على الله و لا تخذلها كما خذلتك إيملي بشكوكها ، ستكون حياتكما صعبة لكن ستتغلبان على الظروف ما دام الإيمان والحب يشع في داخلكما ، تفضل إيميل كُل الفلافل (أقراص الحمص المقلية) ستشعر بتحسن .
تشجع إيميل : شكرا إيلي ، لن أخذل ملاكي (ابتسم قائلاً) أوه لماذا كلما حدثتك بشيء ذكرت الطعام هاهاها .
فرد إيلي بمرح : تكلم عن نفسك ، ألم تجئ أنت في وقت العشاء (و ضحكا كثيراً) .


كالرغيف المحروق :

عانت آن ماري من الصداع والمغص بسبب القلق ، و اكتفت أمها بمناقشتها في موضوع زواجها لكن لم تعطي قرارها النهائي مما زاد قلقها ، بينما صمت إخوتها بأوامر صارمة من أمهم ، و في هذه الفترة عادت إيملي من السفر بسبب أعمال زوجها ، فدعت آن ماري و فتيات أخريات للغذاء .
هناك جلست إيملي تتحدث مع المدعوات بينما راحت ابنتها إليزا تستكشف أرجاء القصر ، فمر عليهن اللورد إدوارد ليلقي التحية ، عندها وصلت آن ماري و ما إن أطلت حتى نظرت لها المدعوات بحسد ؛ فقد كن متقاربات الجمال و عندما أطلت تلك السمراء التي لا تضع المساحيق غطى جمالها على جمالهن كما تغطي الخضرةُ الأرضَ في فصل الربيع ، و لاحظ إدوارد ما يجري فقال ممازحاً زوجته : من هذه الجميلة ذات الثوب الأزرق ؟


ضحكت المدعوات عدا آن ماري التي عبست و أدارت له ظهرها ، بينما قالت إيملي من الغيرة و الغضب :
ليست بذلك الجمال ، ألا ترى أنها كالرغيف المحروق ؟
هذه المرة ضحكت المدعوات أكثر و شاركهن إدوارد الضحك بينما جمدت آن ماري لبرهة ثم ألقت باقة الورد على إيملي و خرجت مسرعةً قبل أن يروا دموعها ، و أرادت إيملي اللحاق بها لكن كبرياءها منعها و قد قال لها إدوارد ذلك اليوم : صديقتك لا تتحمل المزاح .
بالنسبة لآن ماري فقد انتهت صداقتها بإيملي ، و أثناء خروجها رأت ما منعها من البكاء ، صاحت : النجدة إليزا تغرق .

و لم تنتظر بل نزلت البركة رغم البرد و أنقذت إليزا و سلمتها للخادمة ، ثم عادت للمنزل بثياب ثقيلة و رعشة سرعانما تحولت إلى حمى قوية ، فسهرت والدتها للعناية بها ، أثناء ذلك نظرت للوحة تحمل صورة زوجها و قالت : أوه عزيزي ديفد القصة تتكرر ، أرجو أن تفهمني إنها ابنتي .

بينما رأت البنت في منامها أنها تمشي بالرواق ثم لمحت مجموعة من الأرانب تقف بعيداً عنها بعدها ظهرت لها امرأة ذات شعر أحمر ترتدي الكفن و تبتسم لها ، وعلت في الأرجاء أصوات أجراس و أخيراً تحولت آن ماري لذئب ، في هذه اللحظة صرخت ثم عادت للنوم ، عندها نادت الكونتيسة : استدعوا الطبيب حالاً .


مأساة الكونتيسة الشبح :

عندما تحسنت آن ماري دعت الكونتيسة أولادها و إيميل لاجتماع هام و ما إن اكتملوا حتى قالت : أعرف ما تودون سماعه ، لكن دعوني أولا أخبركم بقصة قديمة عن رجل أرمل في الأربعين و أخته العانس كانا مسافرين على متن سفينة هناك التقيتهما عندما كنت مسافرة للعمل كخادمة و قد أحبني الرجل و بادلته الحب ، فتزوجنا قبل العودة لهذه المدينة ، و قد عوضني الكونت ديفد عن أيام الحرمان ، ولم ينغص علينا سوى أخته (آن)

في البداية أشفقت عليها و اعتقدت أنها تغار لأنها لم تتزوج بعد ، لكن بعد ذلك صارحني ديفد بأن أخته في شبابها أحبت موظفاً عندهم ، لكنه منعهما من الزواج لعدم تكافؤ النسب و طرد الموظف ، ثم تكررت القصة معه لكنه تزوجني رغم ذلك ، و حاول أن يشرح ما جرى لأخته لكن ذلك لم يجبر قلبها المكسور ، و عندما أنجبت ليونيل و ليوناردو زاد حالها سوءاً فاتخذت غرفتها سجناً ، و لم أستطع فعل شيء لها ..

و ذات يوم رحلت عنا للعالم الآخر بعد إنجابي لابني الرابع ، ورغم كونكم صغاراً عندها و لم تكونوا قد رأيتم عمتكم ، لكن كنتم تخبرونني عدة مرات بأنكم شاهدتم شبح فتاة ذات شعر أحمر هل تذكرون ذلك ؟ (سكتت قليلاً) و لخوفنا عليكم تصدقنا نيابةً عنها للفقراء و يبدو أن الأمر قد نجح ، انظروا هذه صورتها المرسومة .

نظروا للصورة جميعاً ، واندهشت آن ماري فقد كانت الميتة التي رأتها هي عمتها (آن) ثم تابعت الكونتيسة : توفي ديفد و أنا حامل بآن ماري ، فاهتممت بكم و تعرفون باقي القصة .


فكر إيميل (مسكينة آن ماري على الأقل أنا اهتم بي والدي حتى بلغت التاسعة ، أما هي فلم ترى والدها حتى) .
تركت الكونتيسة لهم وقتاً للتفكير و أخيراً قالت : لقد ندم ديفد و أرجو ألا تكرروا نفس الخطأ ، إيميل شخص جيد و سيهتم بها ، و نحن سنقف بجانبها .
سكتوا لأنهم لم يجدوا ما يقولونه و تبادلوا النظرات أخيراً قال ليونيل : نحن نوافق على زواجهما لأننا لا نود أن يحدث لأختنا الصغيرة ما حدث لعمتنا .
عانقهم إيميل ، ثم جلسوا يتناقشون في تفاصيل الزواج .


عندما ارتدت الأرض حلتها الخضراء :

ذلك اليوم خسرت آن ماري لقبها و ثروتها حسب التقاليد لكنها ظفرت بإيميل زوجاً و حبيباً طول العمر ، و قد احتضنتها والدتها قائلةً : كبرتي صغيرتي ، لكن تذكري دوماً بأننا أسرتك .

لم تنتهِ قصة حبهما بعد فقد عاشا الحياة بحلوها و مرها و واجها الصعوبات مما زادهما قرباً ، و كم فرحا و هما يريان ثمار حبهما تنضج .
و ذات مرة بينما كان إيميل يتمشى مع أولاده قابل إيلي فوقفا يتحدثان
إيلي : كيف حالك يا رجل ؟ كيف حال الأهل ؟
إيميل : بخير و يسلمون عليك و أرجو أن تزورنا بعد أن تلد السيدة .
إيلي : طبعاً سأحضر ، ثم نظر إلى إيليوت فقال : ما شاء الله أصبحت رجلاً إيليوت ، و قبل أن يكمل شدت سالي و روزماري قميصه و قالت سالي : أنت تحبه أكثر منا لأن اسمه كاسمك .
ضحك إيلي و قال : أنتما أيضاً كبرتما و أنا أحبكم جميعاً .
سأله إيميل : إلى أين أنت ذاهب بباقة الورد ، أتمنى أن تكون قد وجدت أميرة أحلامك ؟
ابتسم إيلي : إنه أمر آخر ، مع السلامة .


ذهب إيلي إلى المقبرة و وضع الأزهار على أحد القبور قائلاً : كم أنا مسرور يا عمي لعدم تكرر مأساتك مع الآنسة آن .


انتهت <<


ملاحظة :
أسماء الشخصيات و معانيها :
إيميل / إيملي (إيمي) و غيرها من مشتقات الاسم : اسم لاتيني الشجاع/ة و الصابر/ة و الكادح/ة

ماريسال : ماري بمعنى مريم أي الخادمة العابدة للرب - سالي/سال : الأميرة أو الجميلة أو الملكة و في العربية (التسلية أو من طابت نفسها)

ماريان / ماريون و غيرها من مشتقات الاسم : بمعنى مريم .

روز ماري : روز بمعنى وردة / ماري : ... / و الاسم مركباً يطلق أيضا على نبتة إكليل الجبل .

آن ماري : آن (مشتق من اسم حنة العبري و يعني البراءة والطهر)

ليون و مشتقاته : الأسد

إيملي بيل : ... بيل (الجميلة)
 

تاريخ النشر : 2017-12-14

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر